قال الآجري [1] رحمه الله: (وكانوا في سائر السنة يصلون لأنفسهم بين المغرب والعشاء التطوع فيجهر بعضهم على بعض فنهوا عن ذلك لأنه يغلط غيره، وقيل لهم: اسمعوا أنفسكم، وكذلك الطواف عبادة وهو صلاة) [2] .
الدليل الثاني: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلم إلا بخير) [3] .
وجه الدلالة: من الخير أن لا يرفع الطائف صوته بالقراءة والدعاء لئلا يؤذي غيره، فأذية الطائفين حول بيت الله الحرام ليست من الخير الذي أباحه الشارع في الكلام أثناء الطواف [4] .
الدليل الثالث: أن خفض الصوت بالقراءة والدعاء أثناء الطواف هو حال الصحابة رضي الله عنهم والتابعين من بعدهم، لا يعرف منهم رفع صوت أثناء الطواف ولا لغط ولا إكثار من الكلام، فعن عبدالمجيد بن أبي رواد [5] - رحمه الله - قال: (كانوا يطوفون بالبيت خاشعين ذاكرين كأن على رؤوسهم الطير وقع، يستبين لمن رآهم
(1) الإمام المحدث شيخ الحرم الشريف أبو بكر محمد بن الحسين البغدادي الآجري، صاحب التواليف منها: كتاب الشريعة وكتاب الرؤية وكتاب مسألة الطائفين، وكان صدوقا خيرا عابدا صاحب سنة واتباع، مات بمكة في المحرم سنة ستين وثلاث مائة وكان من أبناء الثمانين.
سير أعلام النبلاء (16/ 133) شذرات الذهب (4/ 316) طبقات الشافعية الكبرى (3/ 149) .
(2) جزء الجهر بالقرآن في الطواف (36) .
(3) رواه الترمذي في السنن كتاب الحج باب ما جاء في الكلام في الطواف حديث (960) وقال: (وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره عن طاوس عن ابن عباس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن السائب، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم) (3/ 284) ، ورواه النسائي في السنن كتاب مناسك الحج باب إباحة الكلام في الطواف حديث (2923) (5/ 222) ، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس ولا يصح رفعه.
انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني حديث (960) (1/ 492) .
(4) انظر: جزء الجهر بالقرآن في الطواف للآجري (ص 63) .
(5) العالم القدوة الحافظ شيخ الحرم أبو عبدالحميد عبدالمجيد بن الإمام عبدالعزيز بن رواد، كان من المرجئة، ومع هذا وثقه أحمد ويحيى بن معين، وكان أعلم الناس بحديث ابن جريج، توفي سنة ست ومئتين.
تهذيب الكمال (18/ 271) سير أعلام النبلاء (9/ 434) تهذيب التهذيب (6/ 381) .