ثانيًا: أن ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - للجهر بالنية والتلفظ بها مع وجود المقتضي لها وانتفاء الموانع سنة من قبيل الترك، ففعلنا لما تركه - صلى الله عليه وسلم - عين البدعة والمحادة للشريعة.
قال ابن القيم - رحمه الله:(فإن تركه - صلى الله عليه وسلم - سنة كما أن فعله سنة، فإذا استحببنا فعل ما تركه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق.
فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟
فهذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسنته وما كان عليه - صلى الله عليه وسلم -، ولو صح هذا السؤال وقُبِل؛ لاستحبَّ لنا مُسْتَحِبٌ الأذان للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ ... وانفتح باب البدعة وقال كل من دعا إلى بدعة من أين لكم أن هذا لم ينقل) [1] .
وقد نبه لهذا الإمام الشاطبي - رحمه الله - حيث قال -فيما يعرف به مقصد الشارع: (أن يسكت عنه وموجبه المقتضي له قائم، فلم يقرر فيه حكم عند نزول النازلة زائدة على ما كان في ذلك الزمان؛ فهذا الضرب السكوت فيه كالنص على أن قصد الشارع أن لا يزاد فيه ولا ينقص؛ لأنه لما كان هذا المعنى الموجب لشرع الحكم العملي موجودًا ثم لم يشرع الحكم دلالة عليه؛ كان ذلك صريحًا في أن الزائد على ما كان هنالك بدعة زائدة ومخالفة لما قصده الشارع؛ إذ فهم من قصده الوقوف عند ما حده هنالك لا الزيادة عليه ولا النقصان منه) [2] .
ثالثًا: أن القول باستحباب النطق بالنية سرًا أو جهرًا جرَّ على العاملين به آثارًا سيئة، فقد أوقع كثيرًا من الناس في الوسوسة.
قال ابن القيم - رحمه الله: (قال شيخنا [3] : ومن هؤلاء من يأتي بعشر بدع لم يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه - رضي الله عنهم - واحدة منها؛ فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، نويت أصلي صلاة الظهر، فريضة الوقت، أداءً لله - تعالى - إمامًا أو مأمومًا، أربع ركعات، مستقبل القبلة، ثم يزعج أعضاءه ويحني جبهته ويقيم عروق عنقه ويصرخ بالتكبير، كأنه يكبر على العدو.
(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم (4/ 265) .
(2) الموافقات لأبي إسحاق الشاطبي (3/ 157) ، وانظر تفصيلًا بديعًا لهذا في كتابه الفذ الاعتصام (1/ 360) .
(3) هو ابن تيمية - رحمه الله -.