الرد: بالنظر في الأحاديث نجد أن العمل في الأذان عند أهل مكة على أذان أبي محذورة [1] ، والعمل في صدر الإسلام في المدينة على أذان بلال بلا ترجيع [2] ، ثم ورد العمل بالترجيع بعد وفاة بلال، فإن بلال لم يؤذن بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا قليلًا، فقد حكى الماوردي أن الترجيع سنة أهل الحرمين [3] .
وهنا ذكر ابن تيمية رحمه الله كلامًا محررًا حول ادعاء كل فريق بأن الأذان الذي يذهب إليه هو عمل أهل مكة أو المدينة حيث قال: (ومنهم من كان عمدته العمل الذي وجده ببلده، وجعل ذلك السنة دون ما خالفه، مع العلم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد وسع في ذلك وكلٌ سنة، وربما جعل بعضهم أذان بلال وإقامته ما وجده في بلده: إما بالكوفة، وإما بالشام، وإما بالمدينة، وبلال لم يؤذن بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا قليلًا، وإنما بالمدينة سعد القرظي [4] مؤذن أهل قباء) [5] .
وقد استدل الحنفية على مذهبهم في كراهة الترجيع بعدة أدلة، منها:
الدليل الأول: حديث عبدالله بن زيد - رضي الله عنه - حيث قال: (لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبدالله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى. قال: فقال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله أشهد أن محمدًا رسول الله ... إلى أن قال: فلما أصبحت
(1) انظر الأم للشافعي (2/ 187) .
(2) التحقيق لابن الجوزي (2/ 73) .
(3) انظر: الحاوي للماوردي (2/ 53) .
(4) سعد بن عائذ المؤذن، مولى عمار بن ياسر، كان يتّجر في القرظ، فعرف به، أذّن في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجد قباء، ونقله الصديق إلى المسجد النبوي بعد بلال، عاش إلى أيام الحجاج.
الاستيعاب في معرفة الأصحاب (2/ 593) ، الإصابة في تمييز الصحابة (3/ 54) .
(5) مجموع الفتاوى (22/ 67) .