ثالثًا: أن هذه الهيئة والكيفية لم تكن في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا في عهد الخلفاء الراشدين ولا القرون المفضلة ولا في عهد الأئمة الأخيار، فهي حادثة في أزمنة متأخرة ولم يقم عليها ما يدل على مشروعيتها والخير في اتباع السلف والحذر من إحداث الخلف [1] .
الثاني: أن هذا الفعل وإن كان محدثًا إلا أنه بدعة حسنة إذ ليس كل البدع مذمومة.
ناقش أهل العلم هذا الوجه بعدة أمور منها:
أولًا: أن القول بتحسين البدع يناقض ويصادم الأدلة الشرعية، حيث وردت الأدلة بذم البدع عمومًا، فنصوص ذم البدع والتحذير منها جاءت عامة مطلقة لم يدخلها استثناء قط، قال ابن تيمية رحمه الله: (ولا يحل لأحد أن يقابل هذه الكلمة الجامعة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكلية، وهي قوله:(كل بدعة ضلالة) بسلب عمومها وهو أن يقال: (ليست كل بدعة ضلالة) فإن هذا إلى مشاقة الرسول أقرب منه إلى التأويل) [2] .
قال الشاطبي رحمه الله حينما ذكر أدلة ذم البدع وعمومها:(أنها جاءت مطلقة عامة على كثرتها، لم يقع فيها استثناء البتة، ولم يأت فيها شيء مما يقتضي
أن منها ما هو هدى، ولا جاء فيها: كل بدعة ضلالة إلا كذا وكذا ... ) [3] .
ثانيًا: قال الشاطبي رحمه الله: (ثبت في الأصول العلمية أن كل قاعدة كلية أو دليل شرعي كلي إذا تكررت في مواضع كثيرة وأتي بها شواهد على معانٍ أصولية أو فروعية، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص مع تكرارها وإعادة تقريرها فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم ... ) [4] وأحاديث ذم البدع والتحذير منها داخلة في هذا القبيل لا تخرج عنه.
ثالثًا: قال الشاطبي رحمه الله: (إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمها كذلك وتقبيحها والهروب عنها، وعمن اتسم بشيء
(1) انظر في تقرير هذا الاستدلال: أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدعة من الأحكام لمحمد بخيت المطيعي.
(2) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (2/ 591) .
(3) الاعتصام (1/ 241) .
(4) الاعتصام (1/ 241) .