لهم، ولكن من يقول بأنّ اهتمام المرء ببلده وبأهله وبقومه وبعشيرته في الدعوة إلى الله عزّ وجلّ أكثر من غيرها هذا من الوطنيّة فهذا جاهل، النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يرسل الدعاة إلى أقوامهم، طفيل بن عمرو الدوسي أرسله إلى قومه دوس وهكذا، فيرسل النّاس إلى أقوامهم، لأنّه ما من نبيّ إلّا وقد أرسل إلى قومه، قال تعالى: {وَمَاأَرْسَلْنَامِنْرَسُولٍإِلَّابِلِسَانِقَوْمِهِ} (إبراهيم: منالآية 4) هذا دليل على أنّه ذهب إلى قومه، ونوح ذهب إلى قومه، قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ} [الشعراء:106،105] ، وقال: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ} [الشعراء:124،123] ، فهذا يدل على أنّهم أرسلوا لأقوامهم، ولا يقال هذه وطنيّة لماذا لم يرسلوا إلى أقوام آخرين؟!
ولكن حيث يعجز هؤلاء الدعاة والمجاهدون والعلماء عن إظهار الحقّ في بلادهم فليهاجروا من أجل الدعوة والعلم والجهاد في بلاد أخرى، فاهتمامكم الأوّل يجب أن يكون لبلادكم، فإن عجزتم يكون الثاني للأخرى، ولا يقال هذا وطنيّة، هذا جهل.
الوطنيّة المقصود بها هو الولاء على وفقها، أن توالي الوطنية المقيتة التي هي بديل لدين الله وللولاء ولرابطة الدين، كأن تقول أنا أحبّ أهل بلدي وإن كانوا كفّارا على المسلمين في بلد آخر، فجعلت رابط الوطنيّة رابطا يعادي ويعاند دين الله عزّ وجلّ، أمّا أن تحبّ قومك لحبّ الله، وأن تكره ما فيهم لما يكره الله فيهم، وتحبّ من يحبّه الله من غير أهل بلدك، وتوالي وتعادي أهل بلدك في الله على قاعدة القرآن الكريم {هَذَانِخَصْمَانِاخْتَصَمُوافِيرَبِّهِمْ} (الحج: منالآية 19) ، كما اختصم القرشيّ مع القرشيّ في بدر، والولد مع أبيه والولد مع عمّه والأب مع ابنه وهكذا، فاختصموا في دين الله، فحينئذ أنت لا يقال لك وطني، والنبيّ صلى الله عليه وسلّم بُعث إلى قومه أوّلا {وَإِنَّهُلَذِكْرٌلَكَوَلِقَوْمِكَ} (الزخرف: منالآية 44) ، فجعل المقصود الأوّل هو {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء:214] يقول الله، هذا يكفي لمن فهم هذا ووعاه ولا ينظر إلى من يقول مثل هذه الكلمات ممّن لا يقيم لسنن الوجود قيمة، البعض يريد أن يتعالى على سنن الوجود القدريّة التي يجب على أهل الإسلام أن يتعاملوا معها وأن يحترموها، فإنّ الترفّع عن سنن الأقدار احتقار لما قدّر الله، يقول الله جلّ في علاه: {إِنَّرَبِّيعَلَىصِرَاطٍمُسْتَقِيم} (هود: منالآية 56) ، هذه محمولة على الفعل الإلهي القدري، فالفعل الإلهي القدري على صراط مستقيم، وأنت عليك أن تسير على صراط مستقيم بمعنى عليك أن تحترم الفعل القدري، الذي يتجاوز القدر الإلهي السنني كأنّه يتجاوز الأمر الإلهي الشرعي، فكلاهما على حال واحد، لا يجوز للمرء أن يقول أنا أشبع من تنفّس الهواء، يقال له كذبت فإنّ الشبع لا يأتي إلّا بالطعام ودعواك هذا كذب، ودعواك هذا تجاوز على السنّة، فالله عزّ وجلّ أمرنا {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} هذا الأمر الأوّل، وأمرنا {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} ، وأمرنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} ، فلا يقال هذه وطنيّة، لكن الوطنيّة المقيتة والقومية التي هي تعاند دين الله وهو الولاء على وفقها دون اعتبار الإيمان كما هو بيّن، بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا.