فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 448

"إسقاط شرعية الوضع القائم وتثبيت ما هوَ قادم"-كما قلت-، كان يحتاج إلى صراع منهجي، وكان مشايخ كُثُر في طوائف وجماعات مُختلفة وعلماء مُستقلون يُخالفون، فكانت مرحلة الصراع، ووَقَعَ فيها ما وَقَع مِن قِبلنا ومِن قِبَلِ خصومنا، وقعَ فيها ظُلم، وقعَ فيها سوء فهم، وقَعَ فيها تجاوز في حُدود اللفظ والأدب من كل الأطراف، لكنها كانت ضرورة.

هل كانت جائزة؟ بلا شكَّ أنَّهُ كان فيها ما هو جائز وما هوَ غير جائز، ولذلك ينبغي الاستغفار من الجميع، وهذه إحدى مُراجعات هذا التيار حيثُ غَلَب، وهذه المراجعات لم تنشأ بسبب الضعف كما تنشأ عند بعض الجماعات، هذه المراجعات نشأت في وقت استطاع هذا التيار فيه أن يفرضَ إيقاعه على كُلِّ التيارات الأخرى.

فكل التيارات الأخرى الآن هيَ مُجاهدة وإن لم تعترف أنَّها لحقت بالتيار، ولذلك أسعدُ الناس بثبوت منهجهم هُم الذين لم يقولوا بالديمقراطية ولم يقولوا بالعملية الإصلاحية، ولكن آمنوا أنَّهُ لا بد من التغيير الجذري، وقالوا عن الطوائف أنها مرتدة، والأمة لحقت بهم، وقالوا أنه لا بد من جهادها، والأمة لحقت بهم، والجماعات لحقت بهم.

فهذه المراجعات ليست من قبيل التراجع، ولكن من قبيل رؤية ما كان وما نحنُ عليه الآن وما ينبغي أن يكون مستقبلًا.

ولذلك هذه قضية كان لها ضرورتها في الفترة السابقة، ولا يقول أحد:"غيَّرتم"، فنقول: لا، بل كانت ضرورة الوقت أن نثُبِّتَ المنهج، ولتثبيت المنهج ينبغي نقض الضد، والضد كانَ خصمًا شرسًا يُريد أن يُثبِّتَ نفسه على حسابنا، ونحن كذلك ثبَّتنا أنفسنا على حسابِهِ، كلٌ بما معه من دليل، والواقع أثبت من لحِقَ بالآخر، وإن لم يعترفوا.

ونحن لا نطلب منهم هذا الاعتراف، لا نطلب منهم أن يأتوا ويقولوا:"لقد ثبتت رؤيتكم"، وهم ما زالوا ينتقدون دعوى الغلو التي نحملها -مع أنهم الآن صاروا في التيار الجهادي-! وهذا كذب وخطأ.

بل في قضية الغلو ثبت أنه لم يصمد أمام الغلاة إلا هذا التيار، فهو الذي ردَّ غلو الغالين، ومع أن الآخرين قد يُطلقون التصريحات السياسية والصحفية، إلا أن الرد على المناهج علميًّا لم يقم له إلا هذا التيار.

نرجع:

إذًا نحن ندعو إلى تثبيت الراية، ولكن تثبيت الراية عندنا غير كافي، لا بدَّ من وضع أرجلٍ لها، لا بدَّ من تفعيلها عن طريقِ عقلٍ مُبدع كما هوَ مسمى"الحكمة"في الكتاب: {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} ، و"الحكمة"هي تفعيل الكتاب، إعمال الكتاب في واقعٍ مضطرب متناقض ملتوٍ رمادي ليس أبيضًا ناصعًا وليس سوادًا كالحًا، هذه هي الحكمة، وما نحتاجه هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت