ولقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن عاقبة هذا التهور، ونهاية هذا الظلم فقال: (إن الله ليملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته) ، ثم قرأ {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمةٌ إن أخذه أليمٌ شديدٌ} [هود: 102] [1] .
ولقد حدثنا الحق تبارك وتعالى عن مواقف فرعون المخزية فقال: {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين} [القصص: 4] .
لقد بغى وطغى على بنى إسرائيل، واستطال بجبروت الحكم والسلطان، كما بغى قارون بجبروت العلم والمال، وكانت النهاية واحدة: هذا خسف به وبداره، وذاك أخذه اليم هو وجنوده؛ لقد بلغ السفه به بل الجنون: {فقال أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] ، وقال: {ما أريكم إلا ما أرى} [غافر: 29] ، وقال: {ما علمت لكم من إله غيري} [القصص: 38] ، عند ذلك تدخلت القدرة الإلهية، فوضعت حدا للبغي والفساد، حين عجز الناس عن صد التيار الجارف العنيف، تدخلت القدرة الإلهية سافرة متحدية، {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين} [الأنعام: 4] .
إن القدر الأعلى الذي يرعى هذا الكون ويدبره دائما للظالمين بالمرصاد: {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227] .
وها هو طاغية آخر إنه أبو جهل، طالما تحدى الرسالة في مكة، وتحدى من يحملها، ووقف بالمرصاد أمام المؤمنين، وفي غزوة بدر خرج مغرورا متحديا للمؤمنين، متطاولا على الله، وحين قيل له: إن العير قد نجت، ولا داعي لملاقاة محمد فارجع! فقال الطاغية: (والله لا نرجع حتى نرد بدرا، فنقيم ثلاثا: ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا) [2] .
لكن نهايته كانت في بدر؛ فقد سقط يلفظ أنفاسه، ومر عبد الله بن مسعود بالقتلى، فوجد أبا جهل فيهم لا يزال به رمق، فصعد على صدره وأجهز عليه.
واليوم تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بحمل راية ما سمي بالنظام العالمي الجديد، وهو نظام مزعوم، يقوم بدور مشبوه يوقد الصراعات في مناطق العالم الثالث، ويباشر سياسة مزدوجة المعايير، ويؤكد على ضرورة التحكم في مصير المنطقة العربية والإسلامية بأسرها،
(1) متفق عليه.
(2) سيرة ابن هشام.