فهرس الكتاب
فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين لله عز وجل والاستعانة به وأنهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل، فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرًا عزيزًا ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلًا لما صح من تحقق توحيد الله تعالى وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فإن الله تعالى ينصر رسوله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد) [1] . اهـ
فتأمل رحمك الله قوله:"ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله".
ثم تأمل رحمك الله قوله بعد ذلك:"فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرًا عزيزًا ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلًا لما صح من تحقيق توحيد الله وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك؟".
وهنا تنبيه هام وهو أن هذه الحادثة كانت من آحاد الناس وعوامهم، ولم تكن من الأجناد والأمراء فضلًا عن أهل الحل والعقد، ودليل ذلك ما ذكره ابن تيمية نفسه في وصف القوم الذين كان يقاتل ويحرض على القتال معهم.
قال رحمه الله: (أما الطائفة بالشام ومصر ونحوهما فهم في هذا الوقت المقاتلون عن دين الإسلام، وهم من أحق الناس دخولًا في الطائفة المنصورة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله في الأحاديث الصحيحة المستفيضة عنه:(لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة) "ومن يتدبر أحوال العالم في هذا الوقت يعلم أن هذه الطائفة هي أقوم الطوائف بدين الإسلام علمًا وعملًا وجهادًا عن شرق الأرض وغربها ... ) [2] . اهـ"
وقال أيضًا رحمه الله: (وإن جنود الله المؤيدة وعساكره المنصورة المستقرة بالديار الشامية والمصرية مازالت منصورة على من ناوأها مظفرة على من عاداها) .
قال: (فلما انصرف العسكر إلى مصر وبلغه ما عليه هذه الطائفة الملعونة من الفساد وعدم الدين خرجت جنود الله وللأرض منها وئيد، قد ملأت السهل والجبل في كثرة وقوة وعدة وإيمان وصدق، قد بهرت العقول والألباب، محفوفة بملائكة الله التي مازال يمد بها الأمة الحنيفية المخلصة لبارئها، فانهزم العدو بين أيديها ولم يقف لمقابلتها، ثم أقبل العدو ثانيا
(1) الرد على البكري، ص 376: 378
(2) ج 28/ 531