فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 514

أفغانستان ساحة التدافع الأولى:

لو دقّقت أميركة النظر في السبب الأساس الذي أدى إلى سقوط الطغاة والجبّارين والإمبراطوريات عبر التاريخ .. لوجدت أنها وقعت رهينة نفس ذلك السبب: الغرور والارتهان إلى القوّة الغاشمة .. وهل سقط فرعون ونيرون والنمرود وكسرى وقيصر .. وغيرهم، الذين كان آخرهم الاتحاد السوفييتي .. إلا حصائد غرورهم، وما جرّه من ظلمٍ وقهرٍ وشقاءٍ واستعبادٍ لبني الإنسان؟!

قد تستطيع أميركة - وقد فعلت - تدمير أفغانستان، بمدنها وقُراها وبواديها ومساجدها وبيوتها الآمنة ومدارسها ومؤسساتها الرسمية والأهلية .. وقد تستطيع أن تقتل الأطفال والرضّع والعجائز والجَوْعى والبائسين، وتنبش بقنابلها وصواريخها الفتّاكة قبورَ الأموات ومقابر الشهداء .. قد تستطيع أن ترتكب كل تلك الجرائم .. لكن يفوت أميركة أنّ هذا كله لا يدعو إلى الفخر، وأنّ الانتصار الآنيّ بهذا الشكل الإجراميّ الخسيس، الذي يمثل استقواء مَن يملك كل شيءٍ على مَن لا يملك شيئًا بالمعنى الماديّ .. هو الهزيمة بل الفضيحة! ويفوت أميركة وحلفاءها أنّ لكلّ فعلٍ ردّ فعلٍ على قَدْره ووزنه، وأنّ الوحشية والظلم والطغيان والقوّة الغاشمة، والاستقواء على مَن تظنّ فيه الضعف .. لن يولّد -عند الإنسان السويّ المؤمن العزيز- إلا المقاومة والجهاد والعمل الجادّ المتميّز، لدحر العدوان وتلقين المعتدي الظالِم الدرس الذي يفهمه!

لعلّ الحقيقة الوحيدة الثابتة حتى الآن، في الحرب على ما يسمى بالإرهاب التي بدأت في أفغانستان المسلمة، وفي ما نلمسه من نوايا أميركيةٍ خبيثةٍ تجاه العراق والعالَم الإسلاميّ .. هي أنّ أميركة التي انجرّت وراء غرورها وصلفها وتعطّشها للدماء المسلمة، قد تورّطت أيما تورّط، بدءًا من ذلك البلد الأشمّ: أفغانستان، وانتهاءً بكلّ بقعةٍ إسلاميةٍ تخطّط للعدوان عليها وانتهاك حُرُماتها! ولم يعد بمقدورها التراجع، وبدأت تحفر قبر إمبراطوريتها الظالمة، بيديها وعمى بصيرتها وسلوكها الأرعن تجاه المسلمين كلهم، الذين سيُجبَرون على المضيّ في سنّة"التدافع"، التي قدّرها الله عز وجل في أرضه، وهو وحده الذي يسيّرها كيف يشاء، ويضع سرّها فيمن يشاء، وينصر فيها دِينه وأنصاره بالشكل الذي يشاء!

لنتأمّل في المشهد التالي: أميركة تصرف مليارات الدولارات، نفقات حربها في أفغانستان وثمن بقائها في بلدٍ مدمَّرٍ ليس فيه ما يخسره، وستتكبّد لاحقًا خسائر بشريةً نُقدّر أنها ستكون فادحة، لاسيّما حين تنفّذ تهديداتها الظالمة تجاه العراق أو غيره من بلدان العالَم الإسلاميّ .. بينما عملية استشهادية واحدة داخل أميركة، يقوم بها فرد أو أكثر من الذين هالَهُم ذبح أطفالهم ونسائهم، واندثار أبنائهم أمام أعينهم تحت الأنقاض التي تُخلّفها أعمال الحرب والقصف الهمجيّ الأميركيّ .. ستكلّف أميركة وربما الغربَ كله، خسائر معنويةً وماديّةً وبشريةً جسيمة! ولنتأمّل كيف ستكون عليه الحالة النفسية لملايين الأميركيين والغربيين، عندما يحصل ذلك طال الزمن أم قَصُر! ومَن يمعن النظر في ذيول تفجيرات نيويورك وواشنطن على صعيد الخسارة المادية والنفسية والاقتصادية والاجتماعية .. فسيجد أنها أفدح بكثيرٍ من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت