قال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ رواه البخاري.
يورد ابن القيم رحمه الله عن بعض العارفين: أنه رأى في بعض السكك صبيا يستغيث ويبكي، وأمه خلفه تطرده، وأغلقت الباب في وجهه ودخلت.
فذهب الصبي غير بعيد، ثم وقف مفكِّرًا، فلم يجد مأوى غير البيت الذي أُخْرِج منه، ولا مَنْ يئويه غير والدته، فرجع مكسور القلب حزينًا، فوجد الباب مُرْتَجًا مُغْلَقًا، فتوسَّدَه ووضع خدَّه على عتبة الباب ونام، فخرجت أمه، فلمَّا رأته على تلك الحال لم تملك أن رَمَت بنفسها عليه والْتزمته تُقبِّله وتبكي، وتقول: يا ولدي! أين تذهب عني؟ من يؤويك سواي؟ ألم أقل لك لا تخالفني؟ ولا تحملني بمعصيتك على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادة الخير لك؟ ثم ضمَّتْه إلى صدرها، ودخلت به بيتها.
فتأمل قولها: لا تحملني بمعصيتك على خلاف ما جُبِلتُ عليه من الرحمة بك والشفقة عليك، وتأملْ قوله صلى الله عليه وسلم: لَلَّهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها فأين تقع رحمة الوالدة من رحمة الله التي وسعت كل شيء؟!.
وكيف لا يفرح بتوبتهم, وقد ناداهم بقوله: يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ رواه مسلم.
كعب بن مالك وصفحة بيضاء
استنفرِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابه لملاقاة الروم ويتولى الذين لم يجدوا ما يُحملونَ عليه بفيضِ دموعِهم حزنًا أن لا يجدوا ما ينفقون. ويرجفُ المرجفون (( لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ ) ) [التوبة: الآية81] . (( وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ ) ) [التوبة:49] وفِي الْفِتْنَةِ وقع، فر من الموت وفي الموت وقع.
ومنهم رجالٌ تخلفوا عن ركب المؤمنين، لا عن شكٍ ولا نفاقٍ لكن غلبتُهم أنفسُهم، وأدركَهم ضعفَهم البَشَري مع سلامةِ إيمانهم ومعتقدِهم رضي اللهُ عنهم وأرضاهم.
على رأسِ هؤلاء صحابيٌ جليل، إنه كعب بن مالك يقول: وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، والله ما اجتمعت عندي راحلتان قبلها قط، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزاة، في حر شديد واستقبل سفرا بعيد ومفازا وعدوا كثيرا، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجه الذي يريد.
وعلى الجانب الآخر طابت الثمار وهنا بدأ الامتحان وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، يقول فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولم أقض شيً، فأقولُ في نفسي أنا قادرٌ عليه فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، وأصبح رسول الله