يعلو على الموت من تسمو إرادته ... وفي عزيمته صدق وإيمان
قال الشيخ عثمان: لما مات صاحبنا الثالث نزلني همّ شديد وغمّ عظيم، وكان ذلك أشد ما لاقيت في رحلتي؛ فقد كان أكثرنا صبرًا وقوة، وخشيت أن أموت قبل أن أنعم بالوصول إلى المسجد الحرام، فكنت أحسب الأيام والساعات على أحر من الجمر.
فلما وصلنا إلى جدة مرضت مرضًا شديدًا وخشيت أن أموت قبل أن أصل إلى مكة المكرمة، فأوصيت صاحبي أنني إذا مت أن يكفنني في إحرامي، ويقربني قدر طاقته إلى مكة، لعل الله أن يضاعف لي الأجر، ويقبلني في الصالحين.
أنا الفقير إلى رب البريات ... أنا المسيكين في مجموع حالاتي ...
أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي ... والخير إن يأتنا من عنده يأتي ...
لا أستطيع لنفسي جلب منفعة ... ولا عن النفس لي دفع المضرات
مكثنا في جدة أيامًا، ثم واصلنا طريقنا إلى مكة، كانت أنفاسي تتسارع والبشر يملأ وجهي، والشوق يهزني ويشدني، إلى أن وصلنا إلى المسجد الحرام.
هنا السماوات تبدو قرب طالبها ... هنا الرحاب فضاء حين يُلتمس ...
هنا الطهارة تحيا في أماكنها ... لا الطيب يبلى ولا الأصداء تندرس
هنا تسكب العبرات
وأخذ الشيخ يكفكف عبراته، وأقسم بالله تعالى أنه لم ير لذة في حياته كتلك اللذة التي غمرت قلبه لما رأى الكعبة المشرفة! ثم قال: لما رأيت الكعبة سجدت لله شكرًا، وأخذت أبكي من شدة الرهبة والهيبة كما يبكي الأطفال، فما أشرفه من بيت وأعظمه من مكان!.
ثم تذكرت أصحابي الذين لم يتيسر لهم الوصول إلى المسجد الحرام، فحمدت الله تعالى على نعمته وفضله عليّ، ثم سألته سبحانه أن يكتب خطواتهم وألا يحرمهم الأجر، وأن يجمعنا بهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.