الذي يليه, فإنه بمرور الوقت تضعف قوته ويخور، ثم لا يستطيع بعدها قلعها، فما لا تقدر عليه في الشباب لا تقدر عليه -غالبًا- وقت المشيب.
فمن العناء رياضة الهَرِم، ومن التعذيب تهذيب الذيب، والقضيب الرطب يقبل الانحناء، فإن جفَّ وطال عليه الزَّمن صعب واستعصى، والغصن أقرب تقويمًا من الخشب وما عجزت عنه اليوم قد تكون غدًا أشد عجزًا.
بادر قبل أن تُبَادَر! وقِفْ بالباب وأنت الذليل الحقير، واضرع إلى العلي الكبير تضرُّع الأسير بقلب كسير. وقل: يا إله العالمين! يا أكرم الأكرمين! عبدك أسير الخطايا، صاحب الهفوات والرزايا، واقفٌ ببابك ينتظر رحمتك، الخير دأبك، والحكم حكمك، وأنت أرحم الراحمين، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة بين يديك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال الخاضع الذليل، وأسألك سؤال الخائف الضرير، سؤال من خضعت لك رقبته، ورغم لك أنفه، وفاضت لك عيناه إلا غفرت لى وعفوت عني.
إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار, ويبسط يده ب النهار ليتوب مسيء الليل, حتى تطلع الشمس من مغربها.
أنا العبد الذي كسب الذنوبا ... وصدته المعاصي أن يتوبا ...
أنا العبد الذي أضحى حزينًا ... على زلاته قلقًا كئيبا ...
أنا العبد الذي سطرت عليه ... صحائف لم يخف فيها الرقيبا ...
أنا العبد المسيء عصيت سرًا ... فمالي الآن لا أبدي النحيبا ...
أنا العبد المفرط ضاع عمري ... فلم أرع الشبيبة والمشيبا ...
أنا العبد الغريق بلج بحرٍ ... أصيح لربما ألقى مجيبا ...
أنا العبد السقيم من الخطايا ... وقد أقبلت ألتمس الطبيبا ...
أنا العبد المخلف عن أناسٍ ... حووا من كل معروفٍ نصيبا ...
فوا أسفي على عمرٍ تقضي ... ولم أكسب به إلا الذنوبا ...
وأحذر أن يعاجلني مماتٌ ... يحير لهول مصرعه اللبيبا ...
ويا حزناه من نشري ... ليومٍ يجعل الولدان شيبا ...
تفطرت السماء به ومارت ... وأصبحت الجبال به كثيبا