فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 514

وقد آن لأهل الشام أن يخرجوا أضغانهم و أحقادهم على كلاب نصيريةٍ جبانةٍ رعديدةٍ، تغذت بدمائهم و ارتقت على أوصالهم، و سامتهم سوء العذاب بغيًا و عدوًا، و حق لهم أن يؤمِّلوا ما سيدركوه بحول الله و قوته، فهاهي الأصنام تهوي تباعًا، و هاهم الطغاة العتاة يندثروا سراعًا، وقد أهلك الله سبحانه في تونس و مصر من هو أشدّ قوةً من طغاة الشام و أكثر جمعًا، حتى أذلَّ رقابهم و أضرع خدودهم، فجعلهم سلفًا و مثلًا للآخرين، ليلحق آخرهم بأولهم في أودية الخزي في الحياة الدنيا، و لعذاب الآخرة أخزى، سنة الله و لن تجد لسنة الله تبديلًا ..

غير أنَّ الحزن كلّ الحزن، أن تحرف الثورات عن وجهتها، و أن يحاط بثمرها، و إذا بالنّاس على اختلاف مشاربهم و مضاربهم، قد فرحوا بزوال رموز الظلم و اندحارهم-وحق لهم ذلك-، ثم لم تطرف أعينهم أو تحمر حدقهم للظلم العظيم، و الذنب الأثيم، و هو الإشراك مع ربهم في حكمه و تشريعه، بل لم ينادي أحد برفع هذا الظلم إلا قليل على استحياءٍ و خجلٍ!

ثم ألفى الناس العلماء و الدعاة قد غابوا و تواروا عن مشهد الأحداث، و نأووا بأنفسهم عن إضرام أوارها و إذكاء نارها، لا سيما في بداية المعامع و بواكير احتدامها، مع أنه كان من الواجب عليهم و على كل من كانت تؤرِّق مقلتيه مآسي المسلمين و آلامهم، أن لا يألوا جهدًا أو يوفّروا فرصةً في ركوبِ أي موجةٍ تحمل في طياتها تباشير الفرج و آمال التغيير ..

فكانت المحصلة أن اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا و قادةً ضلالًا، يلتحفون بالديمقراطية و يتدثرون بها، و آوى الكثير إلى أحضان تلك الأفكار و يمّموا شطرها، إيمانًا بأنها البديل المشرق لليل داجي عاينوا ظلمته ..

وما ذاك إلا لإحجام أهل العلم عن الوصاية على تلكم الثورات، و التصدر للأخذ بزمامها، و إناخة رحالها في المواطن التي يريدها الله سبحانه و يرضاها، و هذا الإحجام لا نريده -كما كل الموحدين-، أن يتكرر في بلاد الشام في هذه الكرة، و لهذا فإننا نسطّر بعض الخواطر و النصائح، نوجّهها إلى دعاة الشام و مشايخها، نشد فيها على أيديهم في بيان الحق و أداء الأمانة التي استودعهم الله إياها، و ندعوهم إلى ريادة المسيرة و قيادتها، حتى تستبين للناس السبل، و يدركوا الخلل، فيعصموا من الزلل (و الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا و إن الله لمع المحسنين) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت