فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 514

إن الله سبحانه أورد العلماء حياض معرفته، و خصهم بأشرف العلوم و أجل المطالب، و حري بمن آتاه الله هذه النعم و ابتلاه بها، أن يسعى في تصريفها على الوجه الذي يحبه الله سبحانه و يرضاه، و إلا انقلبت تلك المنن وبالًا على حاملها، و قد أخذ سبحانه على أهل العلم في كتابه عهدًا أكيدًا، و ميثاقًا غليظًا، أن يبينوه للناس و لا يكتمونه، و أن يعملوا بما علموا، و يصدعوا بما عرفوا و أدركوا، و ألا يقولوا على الله إلا الحق، متحملين في ذلك اللأواء و الضراء، غير آبهين بجبابرة الأرض و جلاديها، (يبلغون رسالات الله و يخشونه و لا يخشون أحدا إلا الله) ، فمن أوفى بعهده و اتقى، جزي بالحسنى، و أثابه ربه في الدنيا ذكرًا حميدًا، و سمعةً طيبةً نضرةً، و في الآخرة يبعث في جوار النبيين الذين حمل دعوتهم، و بلغ رسالتهم بيضاء صافية، دون دخنٍ يشوبها أو تلبيس يعتريها، أما من نبذ ما آتاه الله وراء ظهره، و اشترى به ثمنًا قليلا، فأولئك الذين ماثلهم الله سبحانه في كتابه بأحقر الأمثال، و أذل الأحوال، فقال (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا) ، وقال سبحانه (مثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث) ، فليبصر كل حامل للعلم أو طالب له، مبلغه من أمانيه و آماله، (و يوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للكافرين) ..

إن عقودًا حالكةً مرت على بلاد الشام عمومًا و سوريا خصوصًا، أحكم فيها الطاغوت أنيابه على عباد الله، و أعمل سهام مكره في دين الناس و عقيدتهم، فسلخ عنه زمرًا كثيرة، و جموعًا غفيرة، عبر أبواقه الجاثمة الحاقدة، و أدواته من أهل الردة و النفاق، المتسترين بوشاح الدين و سيما الصالحين، حتى أضحى التحزب للبعث ضرورةً من الضروريات، و أوجب واجب في ذمّة الناس، فلا تستقيم حياتهم و لا دنياهم و لا معيشتهم، إلا إذا عنت وجوههم لطاغوتهم بإخلاص، و قدموا لحزبه قرابين الوفاء، ممزوجةً بذل التبعية و عار العبودية لغير الله، مع تنكيس الرؤوس و طأطأة الرقاب إذعانًا لكل ما يمليه الطاغوت متى يشاء و كيفما يشاء، فوئدت عقيدة أبناء الإسلام في مهدها، و تمخض من مدارس البعث التي يؤطر عليها الولدان أطرًا، جيل استحكمت عليه مخالب الشر و أيادي الكفر، حتى غيب دين الله في فهمه و تصوره، بل لا يكاد يفقه فيه قولا و لا يدرك منه رشدًا، و حسبنا الله و نعم الوكيل ..

ثم أمعن نظام الكفر في نشر الفساد و الرذيلة و إشاعة الفاحشة في كل زوايا البلاد و أرجائها، و أردى الناس إلى هوة نتنةٍ لا قرار لها، فحدث ما شئت عن أنواع الخنا و فنون الزنا، و العهر المقنن المنظم، و تعبيد الناس للشهوات و النزوات، دون وازع أو رقيب، مما هوى بالبلاد إلى أدنى دركات انحطاط الآداب و سفالة الأخلاق، و من زار الشام و سار في مناكبها، يدرك ذلك و يعاينه، و إلى الله المشتكى ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت