فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 514

و قد تآلفت في نظام الكفر ضغائن البعث مع أحقاد النصيرية، فتآكد الشنآن، و استعرت دوافع الإجرام، و تمخضت عن ذلك ألوان العذاب و أصناف التنكيل في أفظع سجون مرت على بلاد الشام، فمن تدمر إلى صيدنايا، مرورًا بالمزة و فرع فلسطين، و انتهاء بأقبية الظلام المنتشرة في كل الأرجاء، و التي أمست أشهر معالم البلاد و أهم إنجازاتها! و شعارها لروادها"لابثين فيها أحقابا"!

و كانت سنّة الله في فسادِ الأرض عندما يغيب الجهاد و تندرس معالمه، و تتلاشى مدافعة الحق للباطل، فتغدو له الصولة و الدولة، و الشوكة و المنعة، و صدق الله (و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) ، و أعظم فساد لها هو فساد أديان عمارها، و اضمحلال عبوديتهم التي من أجلها وجدوا و لتحقيقها خلقوا، ليحل مكان ذلك في الصدور دين محرف، و في الأرض شرع مبدل، و الناس يتقلبون في رياح الأهواء و تيارات الشهوات ..

و من أبصر بلاد الإسلام التي استطال فيها ليل الطغاة، و غاب فيها القتال و النزال، يرى حجم تبعات التهلكة التي أثمرها الركون إلى الظالمين و الخنوع لهم، فتنشّؤ الشعوب في الحلية و الدعة، و يضرب على آذانها و تعمى أبصارها، و تعلو الوجوه سحائب الصغار و ترهقها الذلة التي لا تنزع حتى يؤوب الناس إلى دينهم و يرجعوا للجهاد في سبيل الله ..

و في خضم تلك الظلمات المتراكبة المتراكمة في سورية و أكنافها، و في وقت كان الناس فيه أحوج ما يكونوا إلى دعاة ذي بصيرة، و علماء ربانيين صادقين، عدمت السماء نجومها، و أفلت في الشام مصابيحها، ليخفت صوت الحق و يختفي، و يزداد الناس حيرة و تيها، و يتركوا فريسةً سائغةً للتيارات البعثية و العلمانية، ثم لتلحق المعرة و الأوزار بظهور الكثير من الدعاة و أكتافهم، الذين لبسوا الحق بالباطل و كتموا الحق و هم يعلمون، والذين اشتكت منهم منابر المساجد و جأرت إلى ربها، تعاني كثرة الدجل ووفرة الدجالين، فعليها زبن للناس البعث و استحسنت جرائمه، و عليها تذاع البيانات"القطرية"في كل جمعة وخلال كل مناسبة، بيانات الحزب منقحة بما حرفوه من الكلم عن مواضعه ليناسب المقام، و من على ظهر الكثير منها اليوم يدعى الناس للحور بعد الكون، و السكون بعد الفوران، بدعاوي الحكمة و تجنب سفك الدماء، من أناس لطالما أبرزتهم الفضائيات و صنعوا على عين النظام، ليكونوا واجهة أهل السنة هناك و أصحاب أمرهم، و اليوم هم حراب الطاغوت في صدر ثورة الناس لوأدها و دفعها، و لكن هيهات ترد الطلقة بعد انسيابها، و الثورة قد انطلقت و ما لها من دافع، و سيل العزة تدفق ليجرف ما عفن من الرؤوس و فسد من الأفهام ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت