فهرس الكتاب
وهنا يبدأ التشوه الفكري، هنا يبدأ فقه ما نريد لا فقه ما ينبغي، الإخلاص -فعلا فعلا- أمر في غاية الصعوبة، هو الأمر الذي تمنى بعض السلف أن يموت إذا خلصت له سجدة واحدة .. ذلك أنه أمر يجردك من كل مصلحة ومن كل هوى ومن كل راحة، يجبرك على استفراغ الوسع حقا في دراسة الواقع، وعلى استفراغ الوسع حقا في دراسة الشرع، ثم على استفراغ الوسع مرة أخرى في تحديد واجب الوقت ثم استفراغا أخيرا في العمل لهذا الواجب مع التضحية بكل شيء ..
لقد أمضت الحركات الإسلامية ستين سنة تحت الحكم العسكري، المهيمن على دولة مركزية باطشة، وذاقوا تحت هذا الحكم ويلات التعذيب والتنكيل والتقتيل حتي أبدعت بلادنا"أدب السجون"، لكن لا ينبغي أن نقول هذا ونسكت، بل يجب أن نذكر أن الحركات الإسلامية نفسها لم تدرك اللحظات الفارقة، وتركت الوقت يمضي فلما حاولت بعد ذلك استعادة زمام المبادرة كان الوقت قد فات!
وحين فات الوقت، وبدلا من أن توثق الحركات الإسلامية تجاربها وتنقدها نقدا بصيرا، فضَّلوا الحديث عن المدائح والفضائل وكتبوا تاريخا مناقبيا ورفعوا رموزهم مقاما عاليا حتى ذهب التقييم الموضوعي أدراج الرياح، وأصبح العقل الجمعي العام في تلك الحركات يرى في طريقه وجماعته الطريق الصحيح والجماعة الصائبة، وأنها كانت وما زالت في المسار الصحيح الذي ينتظر أن يكتمل ذات يوم!!
حديث التاريخ طويل، وقد كتبنا كثيرا منه سابقا، ولكن المأساة التي وصلنا إليها هي ما نعانيه الآن .. لقد وصلنا الآن إلى ذروة الكارثة، فلقد ابتدع لنا الشيوخ فقها جديدا، ذلك هو فقه"التولي يوم الزحف".
وهو ذلك الفقه القائم على الهروب من المواجهة، الابتعاد عن الصدام، فقه يرفع شعار"حقن الدماء"و"دفع الضرر"و"تجنيب البلاد البلايا"و ... و ... إلخ
وبدلا من أن تكون مهمة الشيوخ والعلماء"الجهاد"لإقامة دين الله وشرعه، أصبحت مهمتهم"القعود"لدفع الضرر وحقنا للدماء، ويا ليته كان الضرر بالمقياس الشرعي، بل هو الضرر بالمقياس المادي الدنيوي، فلا أكبر في الشرع من ضرر استعباد البلاد والعباد وقهرهم بحكم يضرب بشرع الله عرض الحائط ويلعق أحذية اليهود والصليبيين، وهذا الضرر هو الذي