فهرس الكتاب
لَوْذوا بقبري إنْ أردتُم نُصرَتي ... فالعرشُ والكرسيُّ في طيِّ قَبضَتِي
ولكن دهمتِ الحقيقةُ هؤلاء واجتاحتهم مع قبور من يُسمُّونهم أولياء.
فمن أراد الوصول لابدَّ له من المسير، ومن ينوي المسير لابُدَّ له من الإعداد، قال تعالى في محكم التَّنزيل: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ» [الأنفال:60]
فأمرَ جلَّ وعلا بالإعداد والظُّهورِ بمظهر القوَّة لإرهاب العدوّ ومَنْ وراءه، والأخذ بأسباب المنعة وهو ما يُسمَّى في اللغة العسكريّة المعاصرة (استراتيجيّة الرّدع) لتكون الأمّة مَرهوبةَ الجانب، قويَّة الشّوكة، مهيبةً شامخةً، عزيزة صامدة، لا يَرومُ حماها مُعتدٍ، ولا يَطمع بها طامعٌ، ولا يُذِلها طاغيةٌ، ولا يستعبدها فِرعون، ولا يعبثُ بها نَمرُود، ولا يُسخِّرها ظالم.
ومن يرد الحياةَ كريمةً، والشَّرفَ مصانًا، والعرضَ محميًا، والرأسَ مرفوعًا، لا يسجد إلا لله وشرع الله محكَّم في أرضه، فلن يحصل على هذا بالتَّسلِّي والتَّمني وأحلام اليقظة وحلقات الذكر والمزاهر وطلب المدد من الموتى، بل لابدَّ له من اتخاذ الأسباب المؤدية لذلك بإذن الله، وفي مقدِّمتها الإعداد بكلّ ما تعني كلمة الإعداد، بدءً من الإعداد العقائديّ والنّفسيّ والفكريّ إلى آخر مرتبة من مراتبه، مرورًا بقمَّته الشَّاهقة وهي إعداد القوّة لمواجهة الَّذين لا يفهون إلا لغةَ القوّة، ولردعِ عربدةِ الطّغيان وسفورِ البَاطل، وإعادة الأمور إلى نصابها في تحقيق الألوهيَّة والعبوديَّة للهِ وَحده.
وهذا هو الطَّريق الوحيد الَّذي لابدَّ مِنه، والَّذي أُمرنا باتِّباعه، وسلوكه عبادةً لله وتنفيذًا لأمره عزَّ وجلّ بآية الإعداد السَّابقةِ.
وأمَّا الَّذين يسيرونَ في كلِّ الطّرق الملتويَة، والدَّهاليز المظلمة، ويتجنّبون سلوك هذا الطَّريق، فَيُشكِّلون من حيث يعلمون أَوْ لا يعلمون رديفًا وظهيرًا وسندًا لفرعون وهامان، ويُساهمون بإرادتهم على خذلان المسلمين والفتِّ في عَضُدهم، وإشاعة الفساد والظّلم في الأرض، من خلال مُظاهرة المشركين، أو تكثير سواد الكافرين وتقليل سواد المؤمنين.