ـــــــــــــــــــــــــــــ
وتحرير الجواب: أن (ثم) هنا ليس للتراخي، بل مستعار [1] للتفاوت بين الإفاضتين، الإفاضة من عرفات، والإفاضة من مزدلفة، والبُعد بينهما، بأن إحداهما صواب والأُخرى خطأ، كأحسِنْ إلى الناس ثم لا تُحسن إلى غير كريم.
قيل: {ثُمَّ أَفِيضُوا} عطف على مقدر أي: أفيضوا إلى منى، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس.
والمطابقة بين المثال والممثل له: بأن المراد من قوله: ثم لا تحسن إلى غير كريم: أحسن إلى الكريم خاصة.
وبأن قوله: {ثُمَّ أَفِيضُوا} لما أريد به التعريض [2] لقريش كان التقدير: لا تفيضوا من مزدلفة أي: بل من عرفة خاصة.
وبأن كلًا منهما من قبيل عطف الخاص على العام [3] ، و (ثم) للتفاوت في الرتبة بين المعطوف وما بقي تحت المعطوف عليه، [بكون] [4] أحدهما صوابا والآخر خطأ في الآية [5] ، وكون أحدهما حسنا والآخر قبيحا في المثال.
(1) الاستعارة: هي استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة بين المعنى المنقول عنه والمعنى المستعمل فيه، مع قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي. ينظر: مفتاح العلوم (1/ 369) [ليوسف بن أبي بكر السكاكي ت: 626 هـ، علق عليه: نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط: الثانية، 1407 هـ - 1987 م] ، جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع (1/ 258) [لأحمد بن إبراهيم بن مصطفى الهاشمي ت: 1362 هـ، وتدقيق وتوثيق: د. يوسف الصميلي، المكتبة العصرية، بيروت] .
(2) التعريض: هو أن تقول كلامًا لا تُصرّح فيه بمرادكَ، لكنّه قد يشير إليه إشارة خفيّةً. يقال: عرّض لي فلانٌ تعريضًا: أي قال فلم يُبَيِّن بصراحة اللفظ. وأَعْراضُ الكلام: كلامٌ غير ظاهر الدلالة على المراد، ومنه التعريض في خطبة المرأة: وهو أنْ يتكلّم الخاطب بكلام يشبه خطبتها دون تصريح.
ينظر: البلاغة العربية (2/ 152) [لعبد الرحمن بن حسن حَبَنَّكَة الدمشقي ت: 1425 هـ، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط: الأولى، 1416 هـ - 1996 م] .
(3) أي: أن يعطف الشاء الخاص على العام الذي يشمله، وفائدته: التنبيه على فضله، حتى كأنه ليس من جنس العام؛ تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات. نحو: {مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} [البقرة: 98] . ينظر: البرهان (2/ 464) ، الإتقان (3/ 240) .
(4) في ب: يكون. والمثبت أعلى هو الصحيح.
(5) يقصد أن فعل المعطوف صواب، وفعل المعطوف عليه خطأ، وليس المراد أن الخطأ في الآية.