فهرس الكتاب

الصفحة 314 من 1036

فعلى العابرين أن لا يتسارعوا في التعبير، وأن لا يجزموا بما يعبرون ؛ فالتعبير ظن ، فهذا يوسف عليه السلام مع أنه نبي إلا أنه عبر بالظن حينما بنى نتيجة على رؤيا:"وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ". وليعلموا خطورةَ هذا الجانب وما يوصله إليه من الافتتان والإعجاب بالنفس وتعظيم شأنه فوق شأن المفتين وأهل العلم، فالتعبير فتوى:"قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ"وهذه مدعاة أن يتأنى المرء ولا يتسرع فيه؛ فكثيراً ما يضر ضرراً بالغاً وقد سئل مالك: أيعبُر الرؤيا كلُّ أحد؟ فقال مالك: أبالنبوة يُلعب؟! وقد قال ابن سيرين يُسأل عن مائة رؤيا فلا يجيب فيها بشيء، إلا أنه يقول: اتق الله وأحسن في اليقظة فإنه لا يضرك ما رأيت في النوم.فإذا كان هذا هو قول إمام المعبرين في زمانه وما بعده من الأزمان فما الظن بمن جاء بعده؟

ولما كانت الرؤيا بهذه المنزلة العظيمة كان ولابد من عرضها على أهل الخبرة من معبريها فلا تقص على حسود لدود ولا على جاهل قوله مردود بل تقص على أهل العلم والفضل من العلماء العالمين من أهل الفقه في الدين.

فالرؤى مبناها على القياس والاعتبار والمشابهة, ومن هذا تأويل البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض; ولهذا لما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- بقرًا تنحر كان ذلك نحراً في أصحابه.

ومن ها هنا قال عمر بن الخطاب لحابس بن سعد الطائي وقد ولاه القضاء, فقال له: يا أمير المؤمنين إني رأيت الشمس والقمر يقتتلان, والنجوم بينهما نصفين. فقال عمر: مع أيهما كنت؟ قال: مع القمر على الشمس. قال: كنت مع الآية الممحوة, اذهب فلست تعمل لي عملا, ولا تقتل إلا في لبس من الأمر, فقتل يوم صفين. فالرؤيا أمثال مضروبة ليستدل الرائي بما ضرب به من المثل على نظيره, ويعبر منه إلى شبهه, ولهذا سمي تأويلها تعبيراً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت