فهرس الكتاب

الصفحة 654 من 1036

أشرقت الشمس على خير يوم طلعت فيه الشمس، يوم الجمعة يوم عرفة، وسار الركاب الشريف من منى إلى عرفات، ثم نزل بها إلى بطن وادي عُرَنَة فاجتمع الناس حوله في بطن الوادي، وهو على راحلته مشرف عليهم ليخطبهم خطبة عظيمة، جمع فيها معاقد الدين، وعصم الملة، وتعظيم الحرمات، ثم أقبل -صلى الله عليه وسلم- على هذه الجموع يستشهدهم شهادة البلاغ والأداء"أيها الناس، إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟"

ثلاث وعشرون سنة قضاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صبر ومصابرة، وجهد وجهاد، ومع ذلك يسأل ويستشهد على بلاغه أمته، فأجابته كل هذه الجموع بالجواب الذي لا يمكن أن تجيب بغيره، وشهدت بالشهادة التي لا يحق لها أن تشهد بسواها،نطقت الجموع بفم واحد: نشهد أنك قد بلَّغت ونصحت وأديت ! ورفع - صلى الله عليه وسلم- إصبعه الشريفة إلى السماء وهو يقول:"اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد". واليوم نحن بعد ألف وأربعمئةوست عشرةسنة نشهد للرسول صلى الله عليه وسلم بما شهد له به أصحابه أنه قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة.

فلما فرغ من خطبته أذن بلال وأقام لصلاة الظهر والعصر قصراً وجمعاً . وقضى بقية يومه ذلك في حال من التضرع واللهج بالدعاء حتى ظن أصحابه أنه قد صام يومه ذلك لما رأوا من انقطاعه للعبادة والدعاء. حتى إذا تناهى النهار دعا بأسامة بن زيد، ليكون ردفه، فاشرَأبَّت أعناقهم ينتظرون هذا الذي حظي بهذا الشرف وظنوه من كبار أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- فما فجئهم إلا شاب أسود أفطس أجعد ؛ وكأنما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بهذا الانتخاب يدفن تحت مواطئ راحلته النعرات الجاهلية، ليعلن بطريقة عملية أنه لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت