فهرس الكتاب

الصفحة 852 من 1036

الأولى: أن أقدار الله تأتي من حيث لا نحتسب ؛ لأنها غيب غيَّبه الله عن عقول البشر ، وربنا يقول لنبيه: [قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ] فلا أحد يدور بخلده أن سيجتمع في آن واحد النار والماء ، فإما غرق أوحرق ، فإذا فر من أحدهما فلا يكاد يفر من الآخر ، وهذا يدعونا إلى مزيد يقين بأقضية الله وأقداره المؤلمة ، وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا ، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا ، فلا نقول إلا: قدر الله وما شاء فعل .

الثانية: أن نعرف قدر نعمة الله علينا في هذا البحر العميق ، حيث يُحمل على متنه الخلائق والبضائع ، وهو ساكن تجريه الرياح [هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي البَرِّ وَالبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ المَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ] ونعمة أخرى ذكرها الله في القرآن أربعةً وعشرين مرة ؛ ألا وهي هذه السفن المواخر التي تمخر عباب البحر بآلاف الأطنان فلا تغرق ، وقد سماها الله سبحانه جواري وشبهها بالجبال فقال [وَلَهُ الجَوَارِ المُنْشَآَتُ فِي البَحْرِ كَالأَعْلَامِ] مفتاح دار السعادة [1 / 205 ] وعجائب البحر وآياته أعظم وأكثر من أن يحصيها إلا الله سبحانه .قال الله تعالى [إِنَّا لَمَّا طَغَى المَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ] وهذه التذكرة التي جعلها الله في البحر ؛ ليست خاصة بالذين يعملون فيه فحسب ؛ بل إن سكان البر لابد أن يكون ذلك لهم عبرة وتذكرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت