فكما بَدلوا الشكر الحسن، بالكفر القبيح، بُدلوا تلك النعمة بما ذكر، ولهذا قال: { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ } أي: وهل نجازي جزاء العقوبة إلا من كفر باللّه وبطر النعمة؟ فلما أصابهم ما أصابهم، تفرقوا وتمزقوا، بعدما كانوا مجتمعين، وجعلهم اللّه أحاديث يتحدث بهم، وأسمارا للناس، وكان يضرب بهم المثل فيقال:"تفرقوا أيدي سبأ"فكل أحد يتحدث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال اللّه: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } صبر في البأساء . وشكر في النعماء صبار على المكاره والشدائد ، شكور لنعمة اللّه تعالى يُقِرُّ بها، ويعترف، ويثني على من أولاها، ويصرفها في طاعته. فهذا إذا سمع بقصتهم، وما جرى منهم وعليهم، عرف بذلك أن تلك العقوبة، جزاء لكفرهم نعمة اللّه، وأن من فعل مثلهم، فُعِلَ به كما فعل بهم، وأن شكر اللّه تعالى، حافظ للنعمة، دافع للنقمة .
لِنَسْتَلْهِمْ وإياكم أهم الدروس والعبر من هذه القصة العظيمة:
أولاً: عظم فضل الله على عباده ورحمته بهم وتيسير أمورهم وتذليل الصعاب لهم ، كما قال تعالى: وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا. ولذا من عظم نعمة الله على قوم سبأ أنه الطبري (20 / 376) لم يكن يرى في قريتهم بعوضة!!
ثانياً: تفرد الله بتصريف أمور العباد والبلاد، وأن لله جنود السماوات والأرض فيسخر الله جنداً من جنده على عباده ما يكون فيه رحمته ونعمائه، وتارة يسخرها على قوم فيكون فيها عذابه ونقمته، وهو أحكم الحاكمين.ولقد علمتم كيف أن هذا الماء الوافر في ديارهم صار سبباً لإهلاكهم ، وقيل إن الفئران كانت سبباً في خرق سد مأرب .
ثالثاً: عدم الأمن من مكر الله جل وعلا، والحذرُ من طول الأمل، وألا يغتر المرء بنعم الله وهو على معاصيه فإن ذلك استدراج لهلاكه .