قَالَ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] .
وَهَذِهِ الْآيَةُ قَدْ فَسَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَدِيٍّ بْنِ حَاتِمٍ اَلطَّائِيِّ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فِيْ جَاهِلِيَّتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ مُسْلِمًا دَخَلَ عَلَى رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ. قَالَ عَدِيٌّ: فَقُلْتُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَعْبُدُوْهُمْ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (بَلَى .. إِنَّهُمْ حَرَّمُوْا عَلَيْهِمُ الْحَلَالَ، وَحَلَّلُوْا لَهُمُ الْحَرَامَ فَاتَّبَعُوْهُمْ، فَذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُمْ»(1) .
فَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَمَا فَسَّرَهَا مِنْ حَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَطَاعَ اللهَ فِيْ مَعْصِيَةٍ أَوْ اِتَّبَعَهُ فِيْمَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ، فَقَدْ اِتَّخَذَهُ رَبًّا وَمَعْبُوْدًا، وَجَعَلَهُ للهِ شَرِيْكًا، وَذَلِكَ يُنَافِيْ اَلتَّوْحِيْدَ اَلَّذِيْ هُوَ دِيْنُ اللهِ، وَالَّذِيْ دَلَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» فَإِنَّ الْإِلَهَ هُوَ اَلْمَعْبُوْدُ، وَقَدْ سَمَّى اللهُ طَاعَتَهُمْ لِأَحْبَارِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ عِبَادَةٌ لَهُمْ، وَسَمَّاهُمْ أَرْبَابًا - أَيْ شُرَكَاءَ للهِ تَعَاَلَى فِي الْعِبَادَةِ. وَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ اَلْأَكْبَرُ، فَكُلُّ مَنْ أَطَاعَ مَخْلُوْقًا وَاتَّبَعَهُ عَلَى غَيْرِ مَا شَرَّعَهُ اللهُ وَرَسُوْلُهُ فَقَدْ اِتَّخَذَهُ رَبًّا وَمَعْبُوْدًا
(1) رواه أحمد والترمذي وحسنه .. وغيرهما.