مهنة التعليم لا تساويها مهنةٌ في الفضل والرفعة،ووظيفةُ المعلم من أشرف الوظائف وأعلاها . وكلما كانت المادة العلمية أشرف وأنفع،ارتفع صاحبها شرفًا ورفعة ً،وأشرفُ العلوم على الإطلاق العلوم الشرعية،ثم العلوم الأخرى كل بحسبه . والمعلم إذا أخلص عمله لله،ونوى بتعليمه نفع الناس ،وتعليمهم الخير كان له أجر عظيم عند الله،فعن عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِىِّ قال: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رضى الله عنه - عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: « إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ،وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى،فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ » . [1] .
وعَنْ أَبِى أُمَامَةَ الْبَاهِلِىِّ قَالَ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - رَجُلاَنِ أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِى عَلَى أَدْنَاكُمْ » . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِى جُحْرِهَا وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ » ." [2] ."
ومهمة المعلم لا تقتصر على طرح المادة العلمية على طلابه فقط،بل هي مهمة عسيرة وشاقة - وهي يسيرة على من يسَّرها الله عليه - فهي تتطلب من المعلم صبرًا،وأمانة،ونصحًا،ورعاية لمن تحته،ولو عددنا ما الذي ينبغي توفره في المعلم لطال بنا المقام [3] . وقبل أن ندخل في فصول هذا الكتاب أحب أن أنوه إلى مسألة توضح مقصود هذا الكتاب،وهو أنني جعلت من أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقواله،مستندًا لي في استنباط صفات المعلم،وطرق التدريس المختلفة،وذلك لأن لنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (21) سورة الأحزاب.
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (1 )
(2) - سنن الترمذى- المكنز - (2901 ) قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.
(3) - سيأتي تفصيل ذلك ، ولذلك أعرضت عن ذكره ههنا .