المبحث الأول
كلمةٌ موجزةٌ عن شَخْصيةِ الرسول المعلِّم
لقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الرأفة والرحمة،وتَرْكِ العَنَتِ وحُبّ اليُسر،والرِّفق بالمتعلِّم،والحِرصِ عليه،وبَذْلِ العلم والخير له في كل وقت ومناسبة: بالمكان الأسمى والخُلُقِ الأعلى قال الله تعالى: { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } (128) سورة التوبة .
عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ،قَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ [1] ،فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً،فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِينَا،سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا،فَأَخْبَرْنَاهُ،وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَحِيمًا رَفِيقًا،فَقَالَ: ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ،وَمُرُوهُمْ،وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي،فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ،وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ." [2] "
في هذا الحديث الشريف من الأمور التعليمية: ارتحالُ الشباب جماعةً إلى العالِم،ليتلقّوا منه العِلم،وليأخذوا عنه الفقه في الدين،ولِيَصْطحِبوه فترةً من الزمن،فيَشهدوا منه سُلوكه،وهَدْيَهُ وعَمَله،فتَستَنير بذلك أفهامهم بقُربهم منه ومُلازمتهم له،ويأخذوا العلم مصحوبًا بالعمل به،فيكون أوضح في نفوسهم،وأطيب في سلوكهم،كما كان شأن صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - معه .
وفي هذا الحديث أيضًا النظرُ إلى ذاته الشريفة - صلى الله عليه وسلم - التي هي مَجْمَعُ القُدوة ونموذج الإنسان الكامل . وفيه أيضًا: تعلُّم أحكام الشريعة منه - صلى الله عليه وسلم - ،وفيه أيضًا: أن الأفضل بالمتعلِّم أن يقصد من علماء عصره: الأوفى علمًا،والأعلى فهمًا .. فقد كان آباءُ هؤلاء الشباب صَحابةً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ،التَقَوْا به وأخذوا عنه،وعَلِموا منه،فما اكتفى هؤلاء الشباب
(1) - الشببة جمعُ شابّ . ومتقاربون أي في السِّنّ والعُمر .
(2) - صحيح ابن حبان - (4 / 541) (1658) وصحيح البخارى- المكنز - (6008 و7246 )