الباب الرابع
أساليب الرسول - صلى الله عليه وسلم - التعليمية
كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يختار في تعليمه من الأساليب أحسنَها وأفضَلَها،وأَوْقَعَها في نفسِ المخاطب وأقربَها إلى فهمه وعقلِه،وأشدَّها تثبيتًا للعلم في ذهن المخاطب،وأكثرها مُساعَدةً على إيضاحه له .
ومن دَرَس كُتُب السُّنّة وقرأها بإمعان رأى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يُلوِّن الحديث لأصحابه ألوانًا كثيرة،فكان تارةً يكون سائلًا،وتارةً يكون مُجيبًا،وتارةً يُجيبُ السائلَ بقَدْرِ سُؤالِه،وتارةً يَزيدُه على ما سأل،وتارةً يَضرِبُ المثلَ لما يُريد تعليمَه،وتارةً يُصحِبُ كلامَه القَسَمَ بالله تعالى،وتارةً يَلْفِتُ السائلَ عن سُؤاله لحكمةٍ بالغةٍ منه - صلى الله عليه وسلم - ،وتارةً يُعلِّم بطريق الكتابة،وتارةً بطريق الرَّسْم،وتارةً بطريق التشبيه أو التصريح،وتارةً بطريق الإبهام أو التلويح .
وكان - صلى الله عليه وسلم - تارةً يورِدُ الشبهة ليَذكُرَ جوابَها،وتارة يَسلُكُ سبيل المُداعبة والمُحاجاةِ فيما يُعلِّمُه،وتارةً يُمهِّدُ لما يَشاءُ تعليمَه وبيانَه تمهيدًا لطيفًا،وتارةً يَسلُكُ سبيلَ المُقايَسةِ بين الأشياء،وتارةً يُشيرُ إلى عِلَلِها لذِكرِ جوابِها،وتارةً يَسألُ أصحابَه وهو يَعْلَم ليمْتَحِنَهم بذلك،وتارةً يَسألُهم لِيُرشِدَهم إلى موضع الجواب،وتارة يُلقي إليهم العلمَ قبل السُّؤال،وتارةً يَخُصُّ النساءَ ببعض مجالسه ويعلمهُنَّ ما يحتجن إليه من العلم،وتارةً يُراعي حالَ من بحضرتِه من الأطفال والصِّغار،فيَتنزَّلُ إليهم بما يُلاقي طفولتهم ولَهوَهم البريء،إلى غير ذلك من فُنون تعليمِه - صلى الله عليه وسلم - التي سَنَمُرُّ بها .
وأسوق فيما يلي نماذجَ كثيرةً للأساليب والطرائق المذكورة وغيرها،من خلال تعليمات النبي - صلى الله عليه وسلم - المدوَّنةِ في كتب السنة المطهَّرة،وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلتُ وإليه أنيب .
وفيه المباحث التالية:
1-تهيئة المتعلِّم لاستقبال العلم