هَلْ لَهُ وَفَاءٌ ؟ فَإِذَا قِيلَ: نَعَمْ ، صَلَّى عَلَيْهِ ، وَإِذَا قِيلَ: كَلاَّ قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَلَمَّا فَتْحَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - الْفُتُوحَ قَالَ: أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ، مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِلْوَارِثِ." [1] "
فهل مثلُ هذا الكرم والجود،كرمٌ وجود؟ أم هل مِثل هذا الإعراضِ والزَّهادة،إعراضٌ وزُهْد؟
هيهات أن يُدْرَكَ شَأْوُ مَنْ هذه شُذورٌ من فضائِلِه،ويَسيرٌ من مَحاسِنِه،التي لا يُحصى لها عَدَد،ولا يُدرَكُ لها أمَد . لم تكْمُلْ في غيرِه فيُساويه،ولا كَذَّبَ بها ضِدٌّ يُناويه [2] .
ولقد جَهَد كلُّ مُنافق ومُعانِد،وكلُّ زِنديق ومُلْحِد،أن يُزرِيَ عليه في قولٍ أو فعل،أو يَظفَرَ بهفْوةٍ في جِدٍّ أو هَزْل،فلم يَجِد إليه سبيلًا وقد جَهَد جُهدَه،وجَمَعَ كَيْدَه!
فأيُّ فضلٍ أعظَمُ من فَضْلٍ شاهَدَه الحَسَدةُ والأعداء،فلم يَجدوا فيه مَغْمَزًا لثالِبٍ أو قادِح،ولا مَطعَنًا لجارحٍ أو فاضح،فهو كما قال الشاعر:
شَهِدَ الأنامُ بفضلِهِ حتى العِدا والفَضْلُ ما شَهِدَتْ بهِ الأعداءُ
وحقيقٌ بمن بَلَغ من الفضائل غايتَها،واستكمَلَ لغاياتِ الأمور آلتها،أن يكون لزعامةِ العالَم مُؤهَّلًا،وللقيام بمصالح الخلق مُوكَّلًا،وأن يَعُمَّ به الصلاح،ويَنْحَسِمَ به الفساد،ولا غايَةَ بعد النُّبوّة،فاقتضى أن يكون لها أهلًا،وللقيام بها مؤهَّلًا .
ولذلك استقرَّتْ به حين بُعِثَ رسولًا،ونَهَضَ بحُقوقِها حين قام بها كفيلًا،فناسبَتْه،ولم يَذْهَلْ لها حين أتَتْه،وكلُّ مُتَناسِبَيْنِ مُتَشاكِلانِ،وكلُّ مُتَشاكِلينِ مؤتلِفان،وكلُّ مؤتلِفَينِ متفقان،والاتفاقُ وِفاق،وهو أصلُ كلِّ انتظام،وقاعدةُ كلِّ التئام .
فكان ذلك من أوضح الشواهِدِ على صِحّةِ نُبوَّتِه،وأظهرِ الأماراتِ في صِدْقِ رسالتِه،فما يُنكِرُها بعد الوُضوح،إلاّ مَفْضوح،والحمد لله الذي وفَّق لطاعتِه،وهَدى إلى التصديقِ برسالتِه )) [3] ..
(1) - صحيح ابن حبان - (7 / 333) (3063) صحيح
(2) - أي يُعاديه . بل أقرَّ بها أعداؤه وأولياؤه جميعًا .
(3) - انتهى كلامُ الإمام الماوردي ملخصًا مع زيادة وتصرُّفٍ يسير