المبحث الثاني
بيان خصائص الرسول المعلِّم وفضائِله
ومعرفَتُها من تمام معرفة شخصيته التعليميّة،التي هي جزء منها ولا يَستقلُّ عنها،كما يتبدّى منها أيضًا مَبعثُ قبول أقواله وأحكامه الصادرة عنه،والتأسّي بأفعاله الواردة منه،ومَدى وَقْعِها في النفوس،وهي تشمل كلَّ جانبٍ من جوانب الحياة والدين .
وفي هذه الكلمات أيضًا هَدْيٌ وإرشادٌ لما ينبغي أن يكون عليه المعلِّم في سيرتِه،وفِكرِه،وخُلقِه،وعملِه،ومعاملتِه،ومنطِقِه ومَظهرِه،ومخبرِه ... {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (21) سورة الأحزاب
قال الإمام أبو الحسن علي بن محمد الماورْدي البَصْري البغدادي،أقضى قضاة عصره ،رحمه الله تعالى،في كتابه (( أعلام النُبُوّة ) )في (الباب العشرين) وغيره [1] ،وهو يتحدَّثُ عما خَصَّ اللهُ به رسولَه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - من المزايا والخصائص ما مُلَخَّصُهُ [2] :
(( لمّا كان أنبياءُ الله صفوة عباده وخيرةَ خَلْقِه،لِما كلَّفَهم من القيام بحقِّه،استخلصهم من أكرم العناصر،وأمدَّهم بأوكد الأواصر ،حِفظًا لنسبِهم من قَدْح،ولمنصبِهم من
(1) - وقد نقلَ هذه الكلمات بطولها العلامة جمال الدين القاسمي رحمه الله تعالى ، في كتابه (( دلائل التوحيد ) )ص 181 196 من طبعة دمشق ، وص 156 169 من طبعة جمعية النشر والتأليف الأزهرية بالقاهرة ، حين تحدَّث عن الرسول الكريم ودلائل نبوته وصفاته الشخصية العظيمة .
(2) - ومن غريب التوافق أن المعاني التي أشار إليها الإمامُ الماورديُّ إمامُ المشرق في عصره ، في كلماته الآتية في بيان مزايا الشخصية النبوية الكريمة ، قد أشار إليها بإجمالٍ عَصْرِيُّهُ إمام المغرب الإمام ابن حَزْم ، في كتابه (( الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل ) )2: 88 91 من طبعة صُبيح بالقاهرة سنة 1384 ، حتى كأنَّ أحدهما قد استَقى من الآخَرِ فِكرَه أو حاوَرَه فيه .
ولكن لا غرابة في تقارُب النَّظر ، وتوافُق الفِكَر بين إمامي المشرق والمغرب ، لأنهما ينطلقان من مَهْيَعٍ واحد،هو تشخيصُ المزايا التي اتَّصفَ بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهي باديةٌ للمَشْرِقي كما تبدو للمَغْرِبي على سواء ، وقد كانت وفاةُ الماوردي سنة 450 ببغداد ، ووفاةُ ابن حزم سنة 456 في بلدة لَبْلَبة من بلاد الأندلس ، رحمهما الله تعالى .