فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 537

جَرْح،لتكون النفوس لهم أوطى،والقلوب لهم أصفى،فيكون الناس إلى إجابتهم أسرع،ولأوامرهم أطوع .

وقد كانت آياتُ النبوة في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باهرة،وشواهِدُهُ قاهرة،تشهَدُ مَباديها بالعواقب،فلا يَلتبِسُ فيها كِذبٌ بصدق،ولا مُنْتَحِلٌ بمُحِقّ،وقد أرسله الله بعد الاستخلاص،وطهَّره من الأدناس فانتفَتْ عنه تُهَمُ الظنون،وسَلِمَ من ازدراءِ العيون،لا يَدفعُهُ عقل،ولا يأباه قلب،ولا تَنفِرُ عنه نفس .

فهو المهيَّأُ لأشرف الأخلاق وأجمل الأفعال،المؤهَّلُ لأعلى المنازل وأفضل الأعمال،لأنها أصولٌ تَقودُ إلى ما ناسَبَها ووافقَها،وتنفِرُ ما باينها وخالفها . ولا منزِلة في العالم أعلى من النبوّة التي هي سِفارةٌ بين الله تعالى وعبادِه،تبعَثُ على مصالح الخَلْق وطاعةِ الخالق، فكان أفضل الخلق بها أخصَّ،وأكملهم بشروطها أحقَّ وأمَسّ.

ولم يكن في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وما دانى طَرَفَيْهِ من قارَبَه في فَضْلِهِ،ولا داناه في كماله،خَلقًا وخُلُقًا،وقولًا وفعلًا،وبذلك وصفه الله تعالى في كتابه بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (4) سورة القلم.

والفضل وإن لم يكن من مُعجزات النبوة،لانه قد يُشارَكُ فيه،فهو من أمارتها . وتكامُلُ الفضل مُعْوِز [1] ،فصار كالمُعْجِز،وكمالُ الفضل موجِبٌ للصدق،والصَّدق موجِبٌ لقبول القول،فجاز أن يكون الفضلُ من دلائل الرُّسُل .

فإذا وَضَح هذا،فالكمال المعتَبَر في البَشَر،يكون من أربعة أوجه:

1 كمالُ الخَلْق،2 وكمالُ الخُلُق،3 وفضائل الأقوال،4 وفضائل الأعمال

1 فأمّا الوجه الأول في كمال خَلْقِهِ بعد اعتدال صورته،فيكون بأربعة أوصاف:

أحدها: السكينة الباعثة على الهيبة والتعظيم،الداعية إلى التقديم والتسليم،وكان أعظم مَهيب في النفوس،حتى ارتاعت رُسُل كسرى من هَيْبَتِه حين أتوه،مع ارتياضِهم بصَوْلَةِ

(1) - أعوزَ الشيءُ فهو مُعْوِز ، إذا عَزَّ فلم يوجَد . أي تكامُلُ الفضل عزيز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت