الأكاسرة ،ومكاثرة الملوك الجبابرة،فكان - صلى الله عليه وسلم - في نفوسهم أهْيَب،وفي أعينهم أعظم،وإن لم يتعاظم بأُبَّهة،ولم يتطاول بسَطْوة،بل كان بالتواضع موصوفًا،وبالسهولة معروفًا .
والثاني: الطلاقةُ الموجبة للإخلاص والمحبّة ،الباعثة على المصافاة والمودّة ،وقد كان صلوات الله عليه وسلامه محبوبًا ،ولقد استحكمتْ محبّةُ طلاقَتِه في النفوس،حتى لم يَقْلِهِ مُصاحِب [1] ،ولم يتباعد منه مُقارب،وكان أحبَّ إلى أصحابه من الآباء والأبناء،وشُرْب البارد على الظَّمَاء [2]
والثالث: حُسنُ القبول،الجالبُ لممايلة القلوب حتى تُسرِع إلى طاعته،وتُذعِن بموافقته ،وقد كان قبولُ منظره - صلى الله عليه وسلم - مستوليًا على القلوب،ولذلك استَحكمت مصاحبتُه في النفوس،حتى لم ينفِر منه مُعانِد،ولا استوحَشَ منه مُباعِد،إلاّ من ساقه الحسَد إلى شَقوتِه،وقادهُ الحرمانُ إلى مخالفتِه .
والرابع:مَيْلُ النفوس إلى متابعته،وانقيادُها لموافقته وثباتُها على شدائدِه ومُصابرتِه،فما شَذَّ عنه معها من أخلصَ،ولا نَدَّ عنه فيها من تخصص [3] .
وهذه الأربعة من دواعي السعادة،وقوانين الرسالة،وقد تكاملت فيه،فكَمَل لما يوازيها، واستحقَّ ما يقتضيها .
2 وأما الوجه الثاني في كمالِ خُلُقه،فيكون بسِتّ خِصال:
الخِصلة الأولى: رجاحةُ عقله،وصحّة وَهْمِه [4] ،وصدقُ فِراسته،وقد دلَّ على وفور ذلك فيه صحةُ رأيه، وصوابُ تدبيره،وحسنُ تألُّفه،وانه ما استُغْفِلَ في مكيدة،ولا استُعجِزَ في
(1) - أي لم يُبغضه أو يكرهه مُصاحب .
(2) - الظَّماء: العطش الشديد .
(3) - أي عاشره طويلًا واختصَّ بصحبته .
(4) - أي صحة ما يقع في ذهنه من الخواطر ، تقول في لغة العرب: وَهَمْتُ أهِمُ وَهْمًا على وزن وعَدَ يَعِدُ وَعْدًا إذا وقع الشيءُ في خاطرك وخَلَدك .