المذكورة كانت في حجة الوداع والجمع كثير جدا، وكان اجتماعهم لرمي الجمار وغير ذلك من أمور الحج، وقد قال لهم:"خذوا عني مناسككم"كما ثبت في صحيح مسلم، فلما خطبهم ليعلمهم ناسب أن يأمرهم بالإنصات. وقد وقع التفريق بين الإنصات والاستماع في قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} ومعناهما مختلف، فالإنصات هو السكوت وهو يحصل ممن يستمع وممن لا يستمع كأن يكون مفكرا في أمر آخر، وكذلك الاستماع قد يكون مع السكوت وقد يكون مع النطق بكلام آخر لا يشتغل الناطق به عن فهم ما يقول الذي يستمع منه، وقد قال سفيان الثوري وغيره: أول العلم الاستماع، ثم الإنصات، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر." [1] "
ولو أعدت النظر في الحديث وفي كلام الحافظ لتبين لك الحاجة التي دعت النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن يطلب من الصحابي أن يستنصت الناس،ففي الحج يكثر الناس ويكونون منهمكين في أداء مناسكهم ولذا كان من المتعذر أن يخطب النبي - صلى الله عليه وسلم - ويعلمهم أمور دينهم وهم على هذه الحال،فناسب أن يأمر جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه باستنصات الناس .
ب - أسلوب النداء ( طريقة مباشرة ) : وهذه الطريقة تستخدم في نداء المتعلمين قبل بدء الدرس،وقد تستخدم في أثنائه،وهذا الأسلوب يكثر استعماله من قبل المعلمين،فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ صَعِدَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمِنْبَرَ وَكَانَ آخِرَ مَجْلِسٍ جَلَسَهُ مُتَعَطِّفًا مِلْحَفَةً عَلَى مَنْكِبَيْهِ،قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ دَسِمَةٍ،فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ « أَيُّهَا النَّاسُ إِلَىَّ » . فَثَابُوا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ « أَمَّا بَعْدُ،فَإِنَّ هَذَا الْحَىَّ مِنَ الأَنْصَارِ يَقِلُّونَ،وَيَكْثُرُ النَّاسُ،فَمَنْ وَلِىَ شَيْئًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - فَاسْتَطَاعَ أَنْ يَضُرَّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعَ فِيهِ أَحَدًا،فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ،وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيِّهِمْ » [2] .
ونلحظ في هذا الحديث قوله - صلى الله عليه وسلم -"أيها الناس إلي"وهو نداء منه - صلى الله عليه وسلم - وأمره لهم بالاجتماع والإنصات لما سيلقي عليهم.وقوله:"فثابوا إليه"أي اجتمعوا . و (ثاب) الناس (أي)
(1) - فتح الباري لابن حجر - (1 / 217)
(2) - صحيح البخارى- المكنز - (927 )