وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ [الواقعة: 83-84] .
وقال مُفسِّر آخر: إن"الحين"يُقصد به الصباح والمساء، والحق سبحانه هو القائل: { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } [الروم: 17] .
وأقول: فلننتبه إلى أن"الحين"هو الوقت الذي يحين فيه المقدور؛ فإذا كان الحين هو لحظةَ بلوغ الرُّوح إلى الحُلْقوم؛ فهذه اللحظة هي المراد ب"الحين"هنا، وإذا كان المقصود بها زمنًا أطول من ذلك؛ صباحًا أو مساء؛ فهذا الزمن ينسحب عليه معنى الحين.
والحق سبحانه هو القائل: { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ... } [البقرة: 177] .
والبأس يعني الحرب؛ ومُدة الحرب قد تطول. وكذلك يقول الحق سبحانه: { وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } [الأعراف: 24] .
وهكذا يكون معنى"الحين"هنا هو الأجل غير المُسمّى الذي يمتد إلى أن تتبدّل الأرضُ غيرَ الأرض والسماء غير السماء. إذن: فلا يوجد توقيت مُحدد المدة يمكن أن نُحدد به معنى"حين".
ويذيل الحق سبحانه الآية الكريمة التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: { وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } [إبراهيم: 25] .
وضَرْب المثل معناه إيقاع شيء صغير ليدل على شيء كبير؛ أو بشيء جليّ ليدل على شيء خفيّ؛ لِيُقرِّب المعنويات إلى وسائل الإدراكات الأولى، وهي مُدْركات الحِسِّ من سمع وبصر وبقية وسائل الإدراك.
وحين تأتي المعاني التي تناسب الطموح العقلي؛ فالإنسان يتجاوز مرحلة الحِسِّ إلى المعلومات المعنوية؛ فيقربها الحق سبحانه بأن يضرب لنا الأمثال التي توصل لنا المعنى المطلوب إيصاله.
والحق سبحانه لا يستحي - كما قال - أنْ يضربَ مثلًا بالبعوضة وما فوقها. والبعض من المستشرقين يقول: ولماذا لم يَقُلْ"وما تحتها"؟
ونقول لِمَنْ يقول ذلك: أنت لم تفهم اللغة العربية؛ لذلك لم تستقبل القرآن بالمَلَكة العربية؛ ذلك أن المَثل يُضرَب بالشيء الدقيق؛ وما فوق الدقيق هو الأدقُّ.