فصارت هذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات لم يبق شيء إلا دخل فيها، فهذه قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات، فكل مسألة مشتملة على عدل أو إحسان أو إيتاء ذي القربى فهي مما أمر الله به.
وكل مسألة مشتملة على فحشاء أو منكر أو بغي فهي مما نهى الله عنه. وبها يعلم حسن ما أمر الله به وقبح ما نهى عنه، وبها يعتبر ما عند الناس من الأقوال وترد إليها سائر الأحوال، فتبارك من جعل في كلامه الهدى والشفاء والنور والفرقان بين جميع الأشياء.
ولهذا قال: { يَعِظُكُمْ } به أي: بما بينه لكم في كتابه بأمركم بما فيه غاية صلاحكم ونهيكم عما فيه مضرتكم.
{ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } ما يعظكم به فتفهمونه وتعقلونه، فإنكم إذا تذكرتموه وعقلتموه عملتم بمقتضاه فسعدتم سعادة لا شقاوة معها." [1] "
وقس على ذلك الولاية التي تكون للمعلم على تلميذه فإن له ولاية على طلابه بحسبها .
وقال تعالى: {فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ} (15) سورة الشورى.
فَادْعُ النَّاسَ إِلَى إِقَامَةِ الدِّينِ القَوِيمِ،الذِي أَوْحَى بِهِ اللهُ إِلَى جَمِيعِ المُرْسَلِينَ أَصْحَابِ الشَّرَائِعِ،الذِينَ جَاؤُوا قَبْلَكَ يَا مُحَمَّدُ،وَبِذَلِكَ تَكُونُ قَدْ دَعَوْتَ إِلَى تَحْقِيقِ وَحْدَةِ الدِّينِ كَمَا أَنْزَلَهَا اللهُ،وَاثْبُتْ أَنْتَ وَمَنِ اتَّبَعَكَ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ،وَعَلَى الدَّعْوَةِ إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنْ دِينٍ وَشَرْعٍ كَمَا أَمَرَكُمْ،وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ المُشْرِكِينَ،الذِينَ شَكُّوا فِي الحَقِّ بِمَا ابْتَدَعُوهُ وَافْتَرَوْهُ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ والأَوْثَانِ،وَقُلْ: إِنَّنِي صَدَّقْتُ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلَى الأَنْبِيَاءِ السَّابِقِينَ مِنَ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ وَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ،لا أُكَذِّبُ بِشَيءٍ مِنْهَا،وَإِنَّ رَبِّي قَدْ أَمَرَنِي بِالعَدْلِ فِي الحُكْمِ والقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ،فَلا أَحِيفُ وَلاَ أَجُورُ،وَأَمَرَنِي رَبِّي بِأَنْ أَقُولَ لِهَؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ: إِنَّ اللهَ هُوَ المَعْبُودُ لاَ إِلهَ غَيْرُهُ،وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ،وَنَحْنُ نُقِرُّ بِهِ طَوْعًا وَاخْتِيَارًا،وَأَنْتُمْ تُنْكِرُونَ
(1) - تفسير السعدي - (1 / 447)