قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِن مِنْ نَفْسه ) هُوَ مُوَافِق لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى: { النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسهمْ } أَيْ أَحَقُّ ، قَالَ أَصْحَابنَا: فَكَأَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا اُضْطُرَّ إِلَى طَعَام غَيْره وَهُوَ مُضْطَرّ إِلَيْهِ لِنَفْسِهِ كَانَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَخْذُهُ مِنْ مَالِكه الْمُضْطَرّ ، وَوَجَبَ عَلَى مَالِكه بَذْله لَهُ - صلى الله عليه وسلم - قَالُوا: وَلَكِنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَمَا وَقَعَ ؟
قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ وَعَلَيَّ ) هَذَا تَفْسِير لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم -: ( أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِن مِنْ نَفْسه ) . قَالَ أَهْل اللُّغَة: الضَّيَاع - بِفَتْحِ الضَّاد - الْعِيَال ، قَالَ اِبْن قُتَيْبَة: أَصْله مَصْدَر ضَاعَ يَضِيع ضَيَاعًا ، الْمُرَاد مَنْ تَرَكَ أَطْفَالًا وَعِيَالًا ذَوِي ضَيَاع ، فَأَوْقَع الْمَصْدَر مَوْضِع الِاسْم ، قَالَ أَصْحَابنَا: وَكَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - لَا يُصَلِّي عَلَى مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْن لَمْ يُخَلِّف بِهِ وَفَاء ؛ لِئَلَّا يَتَسَاهَل النَّاس فِي الِاسْتِدَانَة وَيُهْمِلُوا الْوَفَاء ، فَزَجَرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَرْكِ الصَّلَاة عَلَيْهِمْ ، فَلَمَّا فَتَحَ اللَّه عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَبَادِي الْفُتُوح قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: ( مَنْ تَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ ) أَيْ قَضَاؤُهُ فَكَانَ يَقْضِيه ؟ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا: هَلْ كَانَ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - يَجِب عَلَيْهِ قَضَاء ذَلِكَ الدَّيْن أَمْ كَانَ يَقْضِيه تَكَرُّمًا ؟ وَالْأَصَحّ عِنْدهمْ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ - صلى الله عليه وسلم - . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا هَلْ هَذِهِ مِنْ الْخَصَائِص أَمْ لَا ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ: هُوَ مِنْ خَصَائِص رَسُول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، وَلَا يَلْزَم الْإِمَام أَنْ يَقْضِي مِنْ بَيْت الْمَال دَيْن مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْن إِذَا لَمْ يُخَلِّف وَفَاء ، وَكَانَ فِي بَيْت الْمَال سَعَة ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَهَمَّ مِنْهُ .
قَوْله - صلى الله عليه وسلم -: ( بُعِثْت أَنَا وَالسَّاعَة كَهَاتَيْنِ ) قَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِل أَنَّهُ تَمْثِيل لِمُقَارَبَتِهَا ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنهمَا إِصْبَع أُخْرَى كَمَا أَنَّهُ لَا نَبِيّ بَيْنه وَبَيْن السَّاعَة ، وَيَحْتَمِل أَنَّهُ لِتَقْرِيبِ مَا بَيْنهمَا مِنْ الْمُدَّة وَأَنَّ التَّفَاوُت بَيْنهمَا كَنِسْبَةِ التَّفَاوُت بَيْن الْإِصْبَعَيْنِ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا .
قَوْله: ( إِذَا خَطَبَ اِحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْته وَاشْتَدَّ غَضَبه كَأَنَّهُ مُنْذِر جَيْش ) يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يُفَخِّم أَمْر الْخُطْبَة ، وَيَرْفَع صَوْته ، وَيُجْزِل كَلَامه ، وَيَكُون مُطَابِقًا لِلْفَصْلِ الَّذِي يَتَكَلَّم فِيهِ مِنْ تَرْغِيب أَوْ تَرْهِيب . وَلَعَلَّ اِشْتِدَاد غَضَبه كَانَ عِنْد إِنْذَاره أَمْرًا عَظِيمًا وَتَحْدِيده خَطْبًا جَسِيمًا ." [1] "
(1) - شرح النووي على مسلم - (3 / 247)