قال الإمام النووي [1] : (( فبيَّن لهم - صلى الله عليه وسلم - أنَّ صُعودَه المِنبر ، وصلاتَه عليه ، إنما كان للتعليم ، لِيرى جميعُهم أفعالَه - صلى الله عليه وسلم - ، بخلاف ما إذا كان على الأرض ، فإنه لا يَراه إلاّ بعضُهم ممن قَرُب منه ) ).
وقال الحافظ ابن حجر [2] : (( وعُرِفَ من قوله - صلى الله عليه وسلم -:(أيها الناس إنما صَنعتُ هذا ، لِتأتَمّوا بي ، ولِتَعلَّموا صلاتي) ، أنَّ الحكمة في صلاته في أعلى المِنبر لِيراه من قد يَخفى عليه رُؤيتُه إذا صلى على الأرض .ويُستفادُ منه أن من فعلَ شيئًا يُخالِفُ العادة: ينبغي أن يُبيِّن حِكمتَه لأصحابه . وفيه جوازُ تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفِعل ، وجوازُ العَمَلِ اليسير في الصلاة ، وكذا الكثيرُ إن تَفرَّق . وفيه استحبابُ اتخاذِ المنبر لكونه أبلَغ في مشاهدةِ الخطيب والسماع منه )). انتهى .
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِغُلاَمٍ يَسْلُخُ شَاةً ، فَقَالَ لَهُ: تَنَحَّ حَتَّى أُرِيَكَ ، فَإِنِّي لاَ أَرَاكَ تُحْسِنُ تَسْلُخُ ، قَالَ: فَأَدْخَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَهُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ ، فَدَحَسَ بِهَا حَتَّى تَوَارَتْ إِلَى الإِبْطِ [3] ، ثُمَّ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: هَكَذَا يَا غُلاَمُ فَاسْلُخْ ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَصَلَّى ، وَلَمْ يَتَوَضَّأْ ، وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً." [4] "
(1) - في (( شرح صحيح مسلم ) )5:75
(2) - في (( فتح الباري ) )2:331
(3) -قوله: (فدَحَسَ بها أي بيده حتى توارت إلى الإبط) . الدَّحْسُ أن يُدخِلَ الرجلُ يدَهُ بين جِلْدِ الشاةِ وصِفاقِها ليَسلخَها . وجاء لفظُ (دَحَسَ) في شعرٍ عالٍ رفيع ، ومعنىً نبيل بديع ، أَحببت ذكره هنا استطرادًا لبداعته وحصافتِه ، وصدقِهِ وبلاغته قاله الصحابيُّ الجليلُ العلاءُ بن الحَضرَمي من حضرموت فاتحُ البحرين وأميرُها ولاّه عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وبقي عليها حتى توفي في خلافة عمر سنة 14 أو 21 رضي الله عنهما قال:
وحَيِّ ذَوي الأضغانِ تَسْبِ قُلوبَهم تحيَّةَ ذي الحُسنى فقد يُرقَعُ النَّقَلْ
فإنْ دَحَسوا بالشرِّ فاعْفُ تكرُّمًا وإن كتموا عنك الحديثَ فلا تَسَلْ
فإنَّ الذي يُؤذيكَ منه سَماعُهُ وإنَّ الذي قالوا وراءَك لم يُقَلْ
قوله: (فقد يُرقَعُ النَّقَل) ، النَّقَلُ بفتح النون والقاف جميعًا: الخُفُّ الخَلَقُ ، والنَّعْلُ الخَلَق ، قال في (( القاموس ) )في (نقل) : (( المَنْقَل كمَقْعَد: الخُفُّ الخَلَقُ ، وكذا النَّعلُ كالنَّقْل ، ويكسَرُ فيهما ، ويُحرَّك ، جمعُه أَنْقالٌ ونِقال ، والنَّقيلةُ رُقعةُ النَّعُلِ والخُفّ ) ). انتهى .
فانظر إلى هذا الشعر البليغ والتوجيه الرفيع والمعنى البديع ، فهو يوصي مُخاطَبَه بان لا يُجافيَ ولا يقاطعَ الضاغنين عليه ، بل يُسلِّمُ عليهم ويُحيّيهم إذا لَقِيَهم ، فإنَّ العداوة والجفوة قد تزول ، وتعودُ المُواصلةُ والمداخلة ، وضَرَب لذلك مثلًا بالخُفِّ والنَّعْلِ الخَلَق ، فإنه يُترَكُ لتمزُّقِه ، ولكنه قد يُرقَعُ فيعودُ نافعًا جيدًا كما كان قبلَ تمزُّقِه ، ثم استرسل في النصح المتمم للتعامل مع ذوي الأضغان ، فأحسن وأجاد . الرسول المعلم - صلى الله عليه وسلم - وأساليبه في التعليم لأبي غدة - (1 / 61)
(4) -صحيح ابن حبان - (3 / 438) (1163) صحيح
ــــــــ