فهرس الكتاب

الصفحة 403 من 537

أي لا تُبَشِّرهم بذلك فإنهم يَمتَنِعون من العمل اعتمادًا على ما يَتَبادَرُ من ظاهرِه من أن مجردَ الشهادةِ بالوحدانية والرسالةِ تكفي للنجاة من النار ، ولا يَنتَبِهون إلى ان المرادَ الإتيانُ بالشهادتين مع أداءِ حقوقهما من إطاعةِ الله وإطاعةِ رسولِه في الشرائعِ والأحكام ِوفي الحديث بيانُ وجوبِ أن يُخَصَّ بالعلم الدَّقيق قومٌ فيهم الضبطُ وصحةُ الفهم ، وأن لا يُبذَل لمن لا يَستأهلُه من الطلبة ومن يُخافُ عليه الترخُّصُ والاتكال لتقصيرِ فهمِه ، قاله البدرُ العيني في (( عمدة القاري شرح صحيح البخاري ) ) [1]

وقال الحافظ ابنُ رجب في (( شرح البخاري ) ): (( قال العلماء: يُؤخذ من مَنْع معاذ من تبشير الناس لئلا يَتَّكِلوا ، أن أحاديثَ الرُّخَص لا تُشاعُ في عُمومِ الناس ، لئلا يَقْصُر فهمُهم عن المُرادِ بها، وقد سَمِعَها مُعاذ فلم يَزْدَدْ إلاّ اجتهادًا في العمل وخشيةً لله عزَّ وجلَّ ، فأما من لم يَبلُغ منزلتَه فلا يُؤمَنُ أن يُقَصِّر اتكالًا على ظاهر هذا الخبر ) ) [2] .

وعلى هذا المنوال من تركِ التحديث لكلِّ واحدٍ بكلِّ شيء ، جَرى عملُ الصحابة ، فمن بعدهم من أهل العلم ، وَقَالَ عَلِىٌّ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ" [3] "

وعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا ، عَلَيْهِ السَّلَامُ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ أَتُرِيدُونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ ، وَدَعُوا مَا يُنْكِرُونَ" [4] "

والمرادُ بقوله (بما يعرفون) أي يَفهَمون ، وقولُه (ما يُنكِرون) أي يَشْتَبِه عليهم فهمُه ، وأما قولُه (... أن يُكذَّب اللهُ ورسولُه) ، فذلك لأن الشخصَ إذا سَمِع ما لا يَفهمُه وما لا يَتَصوَّرُ إمكانَه يَعتقدُ استحالتَه جَهْلًا ، فلا يُصدِّقُ وجودَه ، فإذا ذُكِرَ له مثلُ هذا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يلزَم منه تكذيبُه ، وفي تكذيبِ النبي - صلى الله عليه وسلم - تكذيبٌ لله عز وجَل .

(2) - كذا في (( فتح الملهم شرح صحيح مسلم ) )للعلاّمة شَبِّير أحمد العثماني 1:588 .

(3) - صحيح البخارى- المكنز - (127 )

(4) - الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ (497 ) صحيح

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت