للحكم بالقول ، وتمكين له بالعمل ؛ إذ لم تكن له حاجة لذلك السَّهم إلا ليبالغ في بيان أن ذلك من الحلال المحض ؛ الذي لا شبهة فيه ، فكان ذلك أعظم دليل لمن يقول بجواز الأجرة على الرُّقى والطب . وهو قول مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة وأصحابه ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وجماعة من السَّلف والخلف .
وأمَّا الأجرة على تعليم القرآن: فأجازها الجمهور من السلف والخلف متمسكين بهذا الحديث ، وما زاد فيه البخاري من حديث ابن عباس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ) ). وهذا يلحق بالنُّصوص . وقد جزم أبو حنيفة أخذ الأجرة على تعليم القرآن ، وكذلك أصحابه ، تمسُّكًا بأمرين:
أحدهما: أن تعلم القران وتعليمه واجبٌ من الواجبات ؛ التي تحتاج إلى نيَّة التقرُّب والإخلاص ، فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة ، والصيام .
وثانيهما: ما رواه أبو داود من حديث عبادة بن الصامت قال: علَّمت ناسًا من أهل الصُّفة الكتاب والقرآن ، وأهدى إليَّ رجل منهم قوسًا ، فقلت: ليست بمال ، وأرمي عليها في سبيل الله ، فلآتينَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلأسألنَّه ، فأتيته فسألته ، فقال: (( إن كنت تحب أن تطوَّق قوسًا من نار فاقبلها ) ).
وللجمهور أن يقولوا: لا نسلِّم صحة ذلك القياس ؛ لأنَّه فاسد الوضع ؛ لأنَّه في مقابلة قوله - صلى الله عليه وسلم -: (( إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ) )، وهو عمومٌ قوي ، وظاهرٌ جلي .
والجواب عن القياس: إنه لا يصح للفرق الذي بين الفرع والأصل ، سلَّمنا لكن بينهما فرق وهو: أن الصوم والصلاة عبادات خاصَّة بالفاعل ، وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم ، فتجوز الأجرة على محاولة النقل ، كتعليم كتابة القرآن .
وأمَّا الجواب عن الحديث بعد تسليم صحته: فالقول بموجبه ؛ لأنَّ تعليم عبادة لم تكن بإجارةٍ ، ولا جُعل ، وإنما علَّم لله تعالى تطوعًا ، لا لغيره . ومن كان كذلك حرم عليه