(وعُدَّ نفسَك من أهل القبور) لأنك ميِّت يقينًا ، والموتُ كامنٌ في بُنيتك وكيانِك ، ولأنك تَشهدُ بعينيك الناس من أقارب وأباعد يموتون يومًا بعدَ يوم ، فلا بُدَّ أن يكون لك يوم . وقد كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: كلَّ يوم يقال: مات فلان وفلان ، ولا بُدَّ من يومٍ يقال فيه: مات عمر . فنحن كما قال القائل:
نموتُ ونحيا كلَّ يومٍ وليلةٍ ولا بد من يومٍ نموتُ ولا نحيا
وقد تدرَّج النبي - صلى الله عليه وسلم - في تذكير عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، فذكر له الغريب ، ثم عابرَ السبيل ، ثم ساكن القبور . فالغريب المتنقل من بلد إلى بلد ، قلبُه معلَّقٌ بوطنه ، لا يُثقِل على نفسه بالتوسع في أمتعته لعزمه العودة إلى بلده ، فلا يستقر بدار غربته إلاّ بقدر الضرورة أو الحاجة .
وعابرُ السبيل أي المارُّ على الطريق من جانب إلى جانب ، لا أرب له إلاّ فيما يُبلِّغُه إلى مقصِده فلا يلتفتُ إلى شيء يُحوِّلُه عنه ، ولا يُغريه بالتوقف بُستانٌ جميل ، ولا هواء بليل ، ولا ظل ظليل .
وساكنُ القبور هم الموتى الذين سبقوا إلى لقاء الله تعالى ، ومصيرُ الأحياء إلى ما صاروا إليه ، فلذا كان عبد الله بن عمر يقول: إذا أمسيتَ فلا تنتظر الصباح ...
قال الحافظ ابن حجر: (( وفِي الحَدِيث مَسّ المُعَلِّم أَعضاء المُتَعَلِّم عِند التَّعلِيم والمَوعُوظ عِند المَوعِظَة وذَلِكَ لِلتَّأنِيسِ والتَّنبِيه ، ولا يُفعَل ذَلِكَ غالِبًا إِلاَّ بِمَن يَمِيل إِلَيهِ ، وفِيهِ مُخاطَبَة الواحِد وإِرادَة الجَمع ، وحِرص النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى إِيصال الخَير لأُمَّتِهِ ، والحَضّ عَلَى تَرك الدُّنيا والاقتِصار عَلَى ما لا بُدّ مِنهُ ) ) [1] .
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَوَضَعَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - طَهُورًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:مَنْ وَضَعَهُ؟قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَا، فَضَرَبَ عَلَى مَنْكِبِي، وَقَالَ:اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ. [2]
(1) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة - (11 / 235)
(2) - المعجم الكبير للطبراني - (9 / 128) (10467 ) صحيح لغيره