أن التعدي بحرف جر في هذا الباب جاء أكثر من التعدي بلا وساطة حرف الجر أي: إنَّ نحو: أمرتك بالخير جاء أكثر من أمرتك الخيرَ ، ونحو: اخترت زيدًا من الرجالِ جاء أكثر من: اخترت الرجالَ زيدًا ، قال ابن أبي الربيع في: اخترت الرجالَ زيدًا:"الأصل: اخترت من الرجال زيدًا ، والدليل على أنه الأصل كثرته ، فإنَّ ما كثُر في كلام العرب وفشا ، ينبغي ألاَّ يدَّعى أنه ثانٍ" (1)
أن الاسم المقيَّدَ بالحرف إذا ما سُرِّح لا تجري على فعله علامةُ المتعدي بنفسه فلا يصاغ له من مصدر فعله اسمُ مفعول تام ، بخلاف الاسم المسرح دائمًا ، فإنك تقول في: اخترت الرجالَ زيدًا زيدٌ مختار ، والرجال مختارٌ منهم ، فدلَّ ذلك على أصالةِ تعديه إلى الثاني بحرف الجر وأن انتصابَه به تارة إنما هو بعد نزع حرف الجر .
إذا التبس المسرَّحُ بالمقيد تقديرًا ، فإنه يجب حينئذٍ إزالةُ اللبسِ بذكر حرف الجر في موضعه فيدلُّ ذلك على أن مالا لبس فيه بإطلاق أصلٌ ، وما يكونُ فيه لبسٌ أحيانًا يبعد أن يكونَ أصلًا، فإذا قيل: اخترت القومَ بني تميم ، فلا يُدرَى هل المقصود: اخترت من القوم بني تميم أو اخترت القومَ من بني تميمٍ (2) ؟
أما ما ذهب إليه السهيلي وابن القيم في اخترت الرجال زيدًا، فمؤدَّاه أن اخترت نصَب الرجال من جهة تضمُّنه معنى نخلت ، ونصب زيدًا من جهة تضمنه معنى أخذت وهل يعمل الفعل عملين لتضمنه معنى فعلين ؟ هذا بعيد ، لاختلاف محل الفعلين ، فمحل النخل ( الرجال ) ، ومحل الأخذ ( زيدًا ) فإن ضمَّنتَ اخترت معنى نخلت تعدى إلى الرجال حسبُ وإن ضمنته معنى أخذت تعدى إلى زيد حسب فإن قيل: المراد:"نخلت الرجال ونقدتهم فأخذت منهم زيدًا" (3) ، فالجواب أن هذا تفسير معنى لا تفسير إعراب .
(1) البسيط: 1/423 .
(2) ينظر: شرح ابن عقيل:1/408 .
(3) نتائج الفكر: 330.