والراجح - في نظر الباحث - تجويزُ مجيء المحذر منه بعد إياك مجرَّدًا من العاطف والجار لوروده كما في قوله:
إياك إياك المراءَ
وقول الآخر (1) :
وإياك المحاينَ أن تحينا ... ألا أبلغ أبا عمروٍ رسولًا
ويترجح تخريج ابن أبي إسحاق ، وهو تقدير حرف الجر على غيره لما يأتي:
أن في تقدير حرف الجر تقليلًا للكلام بجعله جملةً واحدة ، بخلاف إضمار الفعل ففيه يكون الكلام جملتين (2) ، بتقدير فعلٍ للمحذَّر ، وفعلٍ آخَرَ للمحذَّر منه بلا رابط بين الجملتين ، وتقليل المقدر مهما أمكن أولى .
أن تقدير حرف الجر أسهلُ من تقدير حرف العطف ، إذ إن"حذف الجار قد جاء في كلامهم وله وجه من القياس" (3) ، ولم يثبت حذفُ حرف العطف إلا نادرًا (4) .
أنَّ تقديرَ حرف الجر من غير أن يقيد بكون مدخوله مصدرًا ظاهرٌ في قوله:
وإياك المحاين أن تحينا
والمحاين المهالك ، ويقال لها: الحوائن (5) .
أن تقدير حرف الجر أولى هنا من تقدير مضاف ، لأن المضاف المقدر ( المفعول له ) هو على تقدير حرف جر - كما سيأتي - فيؤوْلُ الأمرُ إلى تقدير حرف الجر ، ففي تقديره مباشرة تقليلٌ للمقدر ، وهو أولى .
أن في تقدير حرف الجر إبقاءً لدلالة أسلوب التحذير في هذه الصورة على الإنشاء بخلاف تقدير ابن الناظم ، ففيه إخراج له عن الإنشاء إلى الإخبار (6) .أما على تقدير العكبري ، فيترجح تقدير حرف الجر من جهة تقليل المقدر .
الصورة الثالثة: رأسَك الجدارَ .
منع سيبويه (7) أن تقول: رأسَك الجدارَ ، حتى تقول من الجدار ، أو: والجدارَ كما منع: إياك الأسدَ
(1) سبق تخريجه: 111 .
(2) ينظر: المسائل العضديات: 31.
(3) شرح المفصل: 3/27.
(4) ينظر: شرح الكافية: 2/7 .
(5) ينظر: لسان العرب: ( حين ) وتاج العروس: ( حين ) .
(6) ينظر: شرح التصريح: 2/193 ، وحاشية ياسين على الألفية: 2/154 .
(7) ينظر: كتاب سيبويه: 1/279 .