واعتذر بعض المانعين (1) من القياس في هذا الباب بأن ما حكاه الفراء شيءٌ لم يحفظه سيبويه ولا البصريون ، بل حاول ابن عصفور الطعن في ما رواه الفراء فقال:"وأهل البصرة لا يحفظون ذلك لكنه عندي يحتمل أن يكون قد سمع ذلك في المنظوم ، فقاس عليه النثر ، لأن الكوفيين كثيرًا ما يفعلون هذا ، أعني أنهم يجيزون في الكلام ما لا يحفظ إلا في الشعر فإذا تبين أن هذا مذهبه ، ولم يصرح هل سمع ذلك في الكلام أو في الشعر لم يكن في ذلك حجة" (2) .
وهذا التشكيك ليس بالحسن لا سيما مع قولهم في الفراء:"هو سامع لغة حافظ ثقة" (3) ، وقال السيوطي في هذا المقام:"والفراء ثقة في ما ينقله" (4) .
والتمس بعضهم (5) في الشام معنى الجهة ليبقيَ دلالةَ هذه الكلمة على الإبهام فيكون الفعلُ بذلك جاريًا على القياس في التعدي إلى أسماء الأمكنة ، فكأنك قلت: ذهبت شأمةً ، وقاسَ عليها ما في معناها نحو: ذهبت اليمنَ ، لأن اليمنَ فيه أيضًا معنى ( يمنةً ) ، ورُدَّ (6) هذا بأن يمنةً وشأمةً أنفسهما لو سمي بهما لخرجا من إبهامهما إلى التخصيص ، فيعود البحثُ جذعًا في تعدي الفعل إلى اسم المكان المختص ويمكن ردُّ هذا القول أيضًا بما حكاه الفراء من قولهم: ذهبت السوق ، فليس في السوق معنى الجهة ومع هذا تعدى إليه ذهب بعد نزع الخافض .
(1) ينظر: شرح الجمل لابن عصفور: 1/338 - 339 ، وارتشاف الضرب: 2/253 .
(2) شرح الجمل: 1/338 - 339 .
(3) البحر المحيط: 6/271.
(4) همع الهوامع: 2/113 .
(5) ينظر: شرح الجمل لابن عصفور: 1/337 - 338 ، وحاشية ياسين على الألفية: 1/174- 175 .
(6) شرح الجمل لابن عصفور: 1/338.