أن نزع حرف الجر لا يوجب النصب لذات النزع (1) ، وإنما ينتصب الاسم بعد نزع حرف الجر إذا كان ثمة ما يقتضي نصبَه على جهة الفضلية من فعلٍ أو ما يشبهه ، فإذا وجد حرف الجر كان العمل له لقربه ، فإذا نزع عاد العمل للفعل أو ما يشبهه ، ولو كان نزع حرف الجر يوجب النصب لكان ذلك مطردًا في كل موضعٍ ولا خلاف أن كثيرًا من الأسماء ينزع منها حرف الجر ، ولا تنتصب بنزعه نحو قوله تعالى: { وكفى بالله وليًا وكفي بالله نصيرًا } (2) فلو نزع حرف الجر لكان: وكفى اللهُ وليًا وكفى اللهُ نصيرًا ، وكذلك قولك: بحسبك درهمٌ ، وما جاءني من أحدٍ ، فلو نزعت حرف الجر لقلت: حسبك زيد ، وما جاءني أحدٌ ، فدلَّ ذلك على أن نزع حرف الجر لا يوجب النصب وإنما النصب للفعل أو ما يشبهه .
أن الأصل في الكلام ( البنية العميقة ) عدم الباء (3) ، فالأصل: زيد قائمٌ وليس الأصل: زيد بقائمٍ ، فلما قصد نفيُ الخبر مجردًا من التوكيد ، قيل: ما زيدٌ قائمًا ، فجيء بما لأداء معنى النفي حسبُ ، فإذا لم تثبُتْ في الأصل لم يحكم بأنها محذوفة ، فلما قصد توكيد النفي ، قيل: ما زيد بقائمٍ فتكون معاني الجمل بحسب تسلسلها من البنية العميقة حتى البنية السطحية مرتبة على النحو الآتي:
قيام زيد ، وتمثله جملة: زيدٌ قائمٌ .
نفي قيام زيد ، وتمثله جملة: ما زيدٌ قائمًا .
توكيد نفي قيام زيد ، وتمثله جملة: ما زيدٌ بقائمٍ .
وقد أوجز العكبري ذلك في قوله:"النصب هنا قبل الجر" (4) .
(1) ينظر: أسرار العربية: 139 ، والإنصاف: 1/157 ، واللباب: 1/175 ، وشرح الكافية: 2/223 ، والبسيط: 1/477 ، 2/930 ، والمسائل السفرية: 21 .
(2) النساء:45.
(3) ينظر: التبيين: 325 ، وشرح الكافية: 2/223.
(4) التبيين: 325.