ويحلِّلُ ابن جني التغير الحاصل في ما نزع فيه مضافٌ بعد مضاف بالتدريج في قوله تعالى: { ليس لها من دون الله كاشفة } (1) والتقدير: ليس لها من جزاء عبادة معبودٍ دون الله كاشفة ، فيقول:"حُذِفَ المضافُ الأول ، فصار تقديره: ليس لها من عبادة معبودٍ دونِ الله كاشفة ، ثم حذف المضاف الثاني الذي هو عبادة ، فصار تقديره: ليس لها من معبودِ دونِ الله كاشفة ، ثم حذف المضاف الثالث فصار إلى قوله: ليس لها من دون الله كاشفة ، وهذا على تقديرك ( دون الله ) اسمًا هنا لا ظرفًا لأن الإضافة إليه تسلبه معنى الظرفية ... ولا تستنكر كثرةَ المضافات المحذوفة هناك فإن المعنى إذا دلَّ على شيءٍ وقبِلَه القياسُ أُمضي على ذلك ولم يُسْتَوحَشْ منه ، ألا ترى إلى قوله سبحانه { فقبضت قبضة من أثر الرسول } (2) ألا تراه أن معناه: من تراب أرضِ أثرِ وطءِ حافر فرسِ الرسولِ ، أي: من تراب الأرض الحاملة لأثر وطء فرس الرسول، المعنى على هذا ، لأنه في تصحيحه من تقرِّيه لاستيفاء معانيه ، وإذا دلَّ الدليلُ كان التعجبُ من حيلة العاجز الذليل" (3) .
وقد تكتنف النيابة أحد المضافات فيحذف متلوُّه وتاليه ، على نحو ما مرَّ في تحليل ابن جني لنزع المضافات في قوله تعالى: { فقبضت قبضة من أثر الرسولِ } فقد نزع مضافان قبل ( أثر ) وثلاثة مضافات بعده ، وفي ذلك يقول ابن مالك في الكافية الشافية (4) :
تاليه والمتلوُّ فاعرف واعترف ... وربما أبقي ثانٍ وحُذِفْ
ومثَّل له بقول الشاعر (5) :
لججْتَ وأَقْوَتْ من أُميمةَ دارُها ... فإنَّك منها والتعذُّر بَعْدَما
(1) النجم: 58 .
(2) طه: 96 .
(3) المحتسب: 2/345 - 346 .
(4) ينظر: 2/973 .
(5) البيتان لأبي ذؤيب الهذلي في: شرح أشعار الهذليين: 1/76 ، ولسان العرب ( سبع ) وتاج العروس ( سبع ) ببعض اختلاف في غير موضع الشاهد ، وبلا نسبة في: شرح الكافية الشافية: 2/973 .