وينقض ما قرره في ذينك الموضعين في قوله:"قد حذفوا حرف القسم كثيرًا تخفيفًا ، وذلك لقوة الدلالة عليه ، وإذا حذفوا حرف الجر أعملوا الفعل في المقسم عليه ونصبوه ، قالوا: اللهَ لأفعلن بالنصب ، وذلك على قياس صحيح وذلك أنهم إذا عدُّوا الفعل قاصرًا إلى اسم رفدوه بحرف الجر تقوية له ، فإذا حذفوا ذلك الحرف إما لضرورة الشعر وإما لضربٍ من التخفيف ، فإنهم يوصلون ذلك الفعل إلى الاسم بنفسه كالأفعال المتعدية فينصبونه به ، نحو قوله تعالى: { واختار موسى قومه سبعين رجلًا } (1) ، وقولهم: استغفرت الله ذنبًا ، ويقال: كلته وكلت له ، ووزنته ووزنت له يكون من ذلك قول الشاعر (2) :"
كلامُكُمُ عليَّ إذنْ حرامُ ... تمرُّونَ الدَّيارَ ولم تَعُوجُوا
وحكى أبو الحسن في غير الشعر: مررت زيدًا ، وكذلك قالوا في القسم: اللهَ لأفعلنَّ" (3) ."
وأثر هذا الاضطراب بادٍ في تردد الصبان ( ت: 1206هـ ) في الحكم على نزع حرف الجر
(1) الأعراف: 155 .
(2) البيت لجرير ، وهو في ديوانه: 1/278 ، بلفظ: ( أتضمون الديارَ ولا تُحيَّا ) ، وتصلح شاهدًا كذلك على نزع حرف الجر وانتصاب الاسم ، لكن قال الأخفش الأصغر عن هاتين الروايتين: إنهما ليستا بشيءٍ ، وروى البيتَ بلفظ مررتم بالديارِ ولم تعوجوا ، وبهذه الرواية يسقط الاستدلال على الحذف والإيصال . ينظر: الكامل 1/50 ، وخزانة الأدب: 9/121 - 122 . والبيت برواية: ( تمرون الديار ) بلا نسبة في: شرح المفصل: 8/8 ، وشرح الجمل لابن عصفور: 1/312 ، وشرح الكافية: 4/140 ، ومغني اللبيب: 138 ، 616 ، وشرح ابن عقيل: 1/407 .
(3) شرح المفصل: 9/103 .