ومن النحويين من ينص على كثرة وروده في العربية كما تقدم في قول ابن أبي الربيع قريبًا"وما كثر وفشا ينبغي أن يُدَّعى أنه قياس ، فيقال ما قالته العرب ، وما لم تقله قياسًا على ما قالته" (1) يقول الفارقي ( ت: 487هـ ) بعد ذكره بعض شواهد نزع حرف الجر وإيصال عمل الفعل إلى الاسم:"وهو كثير في القرآن والكلام والأشعار" (2) ويقول ابن الشجري:"وحذف الجار ثم إيصال الفعل إلى المجرور به مما كثر استعماله في القرآن والشعر" (3) .
ويفتح مصطفى جواد بابَ نزع حرف الجر وانتصاب الاسم للفصحاء قديمًا وحديثًا، لأنه بابٌ شائع في العربية ، وغير مضبوط سماعُه (4) .
هذا الاضطراب في الحكم على نزع حرف الجر وانتصاب الاسم أسماعي هو أم قياسي لم يكن على مستوى الاختلاف في أقوال النحويين حسبُ ، بل كان على مستوى قول النحوي الواحد ، فتجده يعتمد القول بالسماع في موضعٍ ثم ينقضه في موضعٍ آخر ، هذا ابن يعيش يتعقب التخريج على النصب على نزع الخافض في بعض الشواهد بقوله:"لا يحسن ذلك ، لأن حذف حرف الجر وإعمال الفعل اللازم قبله باب ضرورة وطريقُه السماعُ ، فلا يُحْملُ عليه ما وُجِدَ عنه مندوحةٌ" (5) .
ويقول في نزع حرف الجر من نحو قوله تعالى: { واختار موسى قومه } (6) ونحو: أمرتك الخير وأستغفرَ اللهَ ذنبًا"وهذا الحذف وإن كان ليس بقياس ، لكن لابد من قبوله ، لأنك إنما تنطق بلغتهم وتحتذي في جميع ذلك أمثلتهم ولا تقيس عليه ، فلا تقول في: مررت بزيدٍ: مررت زيدًا ، على أنه قد حكي عن ابن الأعرابي عنهم: مررت زيدًا ، وهو شاذ" (7) .
(1) البسيط: 1/416 .
(2) الإفصاح: 77 . وينظر: جامع البيان: 1/169 - 170 .
(3) أمالي ابن الشجري: 1/285 . وينظر: إتحاف الحثيث: 48 ، والبرهان: 3/253 .
(4) ينظر: دراسات في فلسفة النحو والصرف: 28 - 29 .
(5) شرح المفصل: 6/64 .
(6) الأعراف: 155 .
(7) شرح المفصل: 8/51 .