قال أبو محمد فلما لم نجد سبيلًا إلى معرفة شيء من معاني كتاب الله ولا من سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا من جهة النقل والرواية وجبَ أن نميِّز بين عدول النقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة. ولما كان الدِّين هو الذي جاءنا عن الله عز وجل وعن رسوله - صلى الله عليه وسلم - بنقل الرواة حقَّ علينا معرفتهم، ووجب الفحص عن النقلة والبحث عن أحوالهم ،وإثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة والتثبت في الرواية مما يقتضيه حكم العدالة في نقل الحديث وروايته، بأن يكونوا أمناء في أنفسهم علماء بدينهم أهل ورع وتقوى وحفظ للحديث وإتقان به وتثبت فيه، وأن يكونوا أهل تمييز وتحصيل لا يشوبهم كثيرٌ من الغفلات، ولا تغلب عليهم الأوهامُ فيما قد حفظوه ووعوه، ولا يشبَّه عليهم بالأغلوطات، وأن يعزلَ عنهم الذين جرحهم أهلُ العدالة، وكشفوا لنا عن عوراتهم في كذبهم ،وما كان يعتريهم من غالب الغفلة وسوء الحفظ وكثره الغلط والسهو والاشتباه، ليعرف به أدلة هذا الدِّين وإعلامه، وأمناء الله في أرضه على كتابه وسنَّةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، وهم هؤلاء أهل العدالة فيتمسك بالذي رووه ويعتمد عليه ويحكم به وتجري أمور الدين عليه، وليعرف أهل الكذب تخرصًا وأهل الكذب وهمًا وأهل الغفلة والنسيان والغلط ورداءه الحفظ، فيكشف عن حالهم وينبأ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها، إنْ كذبَ فكذبٌ ، وإنْ وهم فوهمٌ، وإنْ غلِط فغلطٌ، وهؤلاء هم أهل الجرح فيسقطَ حديثُ من وجب منهم أن يسقطَ حديثُه ، ولا يعبأُ به ولا يعملُ عليه، ويُكتبُ حديثُ مَن وجبَ كتبُ حديثه منهم على معنى الاعتبار، ومن حديثِ بعضهم الآدابُ الجميلةُ والمواعظُ الحسنةُ والرقائقُ والترغيبُ والترهيبُ هذا أو نحوه.
طبقاتُ الرواة: