وأظهر من الظن المستفاد من تحليف أحد الخصمين. فإن قيل: قد أمر الأئمة والحكام بالعدل، وهو التسوية بين المستحقين والمتخاصمين وقد فاوتم بينهم فقدمتم قول المدعى عليه؟ قلنا: أما الحاكم فيسوي بين الخصوم من وجهين. أحدهما التسوية بينهم في الإقبال والإعراض والنظر والمجلس.
الوجه الثاني: التسوية بينهم في العمل بالظنون فيجعل القول قول كل مدع مع يمينه إلا ما استثناه الشرع كالقسامة واللعان، فيسوي فيه بين الأزواج، وكذلك يسوي بين النساء في درء الحدود باللعان، وكذلك يسوي بين الخصوم في تحليف كل مدع بعد النكول، وكذلك إذا تناكلا ولم يحلف واحد منهما فيسوي بينهما في صرفهما.
وأما الإمام فيلزمه مثل ما لزم الحاكم من ذلك، ويلزمه أن يقدم الضرورات على الحاجات في حق جميع الناس. وأن يسوي بينهم في تقديم أضرهم فأضرهم وأمسهم حاجة فأمسهم، والتسوية بينهم ليست من مقادير ما يدفع إليهم الإمام، بل التسوية بينهم أن يدفع إلى كل واحد منهم ما يدفع به حاجته من غير نظر إلى تفاوت مقاديره فيتساووا في اندفاع الحاجات، وكذلك يسوي بين الناس في نصب القضاة والولاة ودفع المضرات، ولا يخلي كل قطر من الولاة والحكام، ولا يخلي الثغور من كفايتها من الكراع والسلاح والأجناد الذين يرجى من مثلهم كف الفساد ودرء الكفار وعرامة الفجار، إلى غير ذلك مما يتصرف به الأئمة. وإذا قسم الإمام الأموال فليقدم الأفضل فالأفضل منهم في تسليم نصيبه إليه كي لا تنكسر قلوب الفضلاء بتأخيرهم، إلا أن يكون المفضول أعظم ضرورة وأمس حاجة فيبدأ به قبل الفاضل؛ لأن الفاضل إذا عرف ضرورة المضطر رق له، وهان عليه تقديمه.
فإن قيل: لم جعلتم القول قول بعض المدعين مع يمينه ابتداء؟ قلنا: فعلنا ذلك