أنه بذل أكثر الأجرة في أكثر ذلك منفعة وأقل الأجرة في أقل ذلك منفعة. ولهذه القاعدة امتنعت مسألة مد عجوة، ومسألة المراطلة، وكذلك أخذ الشقص بما يخصه من الثمن بناء على هذه القاعدة، وجاز لمن اشترى عبدين بثمن أن يوزع الثمن على قيمتهما ثم يخبر أنه اشترى كل واحد منهما بما يقتضيه التوزيع على القيمة. وأما ما ذكره بعض العلماء في مسألة مد عجوة من مقابله الربوي بمثله من الربوي فبعيد إذ لا يخطر ما ذكره على بال أحد من المتعاقدين، بخلاف الحمل على التوزيع فإنه غالب مفهوم.
فإن قيل: وضع العقود على أن يكون العوض في مقابلة المقصود، وأن تتوزع أجزاء العوض على أجزاء المقصود، فإذا مات الأجير في أثناء الحج فهلا تسقط جميع أجرته لأنه لم يحصل شيئا من مقصود المحجوج عنه؟
قلنا: إن جوزنا البناء على ما فعله الأجير فقد حصل الأجير أجرة المقصود، وإن لم نجوز ذلك ففيه قولان
أحدهما: لا يستحق شيئا وهو القياس، إذ لم يحصل شيئا من مقصود المستأجر، لأن مقصوده براءة الذمة من الحج، ولم تبرأ الذمة من شيء من أركان الحج، بخلاف غيره من الإيجارات فيمن استأجر لبناء حائط فبنى شطره، أو لطحن حنطة فطحن بعضها، أو لخياطة ثوب فخاط بعضه، أو لكتابة مصحف فكتب بعضه فإنه قد حصل بعض مقصود المستأجر - والأجير في الحج لم يحصل شيئا من مقصود المستأجر - وإن أتى بمعظم أركان الحج. فيشبه ما لو رد عامل الجعالة العبد الآبق من مسيرة شهر إلى باب دار الجاعل فهرب منه قبل تسليمه إلى الجاعل، فإنه لا يستحق شيئا اتفاقا لأنه لم يحصل شيئا من مقصود الجاعل.
القول الثاني: أن الأجرة توزع على أعمال الحج فيستحق منها بقدر ما عمل، ويسقط منها بقدر ما ترك، قياسا على سائر الأعمال، وفيه بعد لأن سائر الأعمال إنما يقسط عليها لاشتمالها على تحصيل بعض المقصود، وهذه الأعمال لم تحصل