الوجه التاسع: وهو أيضا مختص به أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، ولا شك أن المسجود له أفضل وأشرف من الساجدين.
وعلى الجملة فما يفضل الملائكة على الأنبياء إلا هجام يبنى التفضيل على خيالات توهمها، وأوهام فاسدة اعتمدها ولم يتقرر بالخيالات والتوهمات من أمور يعلم الله خلافها، بل قد يرى الإنسان اثنين فيظن أن أحدهما أفضل من الآخر، لما يرى من طاعته الظاهرة، والآخر أفضل منه بدرجات كثيرة لما اشتمل عليه من المعارف والأحوال، والقليل من أعمال الأعرف خير من الكثير من أعمال العارف، وأين الثناء من المستحضرين لأوصاف الجلال وتعرف الكمال من ثناء المسبحين بألسنتهم الغافلين بقلوبهم. ليس التكحل في العينين كالكحل ليس استجلاب الأحوال باستذكارها المعارف كمن تحضره المعارف بغير سعي ولا اكتساب، ولا عبرة بفضل أجساد الملائكة على أجساد الأنبياء، لأن الأجساد مساكن ولا شرف بالمساكن، وإنما الشرف بالأوصاف القائمة بالساكن، والاعتبار إنما هو بالساكنين دون المساكن، فإن الأنبياء قد سكنوا بطون أمهاتهم مع القطع بأنهم أفضل من أمهاتهم."نفس عصام سودت عصاما"فروح المسيح عليه السلام أفضل من جسد مريم، وكذلك روح إبراهيم عليه السلام أفضل من جسد أمه. وأما من كفر من أولاد المؤمنات فهم شر البرية، ومساكنهم خير منهم، فإذا حملت مؤمنة بكافر كان جسدها خيرا من روحه، إذ قام بروحه أخس الصفات وهو الكفر برب الأرضين والسموات. فإن قيل أين محل الأرواح من الأجساد؟ قلنا في كل جسد روحان: إحداهما: روح اليقظة، وهي الروح التي أجرى الله العادة أنها إذا كانت في الجسد كان الإنسان مستيقظا، فإذا خرجت من الجسد نام الإنسان ورأت تلك الروح المنامات إذا فارقت الجسد، فإن رأتها في السموات صحت الرؤيا فلا سبيل للشياطين إلى السموات، وإن رأتها دون السماء كان من إلقاء الشياطين وتحريفهم، فإذا رجعت هذه الروح إلى الإنسان يستيقظ الإنسان كما كان.