إتيانه، ومن شرف مكة أن الصلاة لا تكره فيها في الأوقات المكروهات لما روى جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار". أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي حديث حسن صحيح. وأما ما رواه من قوله عليه السلام:"اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي فأسكني في أحب البقاع إليك". فهذا حديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن صح فهو من المجاز الذي لا يعرفه كثير من الناس، وهو من مجاز وصف المكان بصفة ما يقع فيه، ولا يقوم به قيام العرض بالجوهر كقوله: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} وصفها بالطيب الذي هو صفة لهوائها. وكذلك الأرض المقدسة وصفت بالقدس الذي هو وصف لمن حل بها من الأنبياء والأولياء المقدسين من الذنوب والخطايا، وكذلك الوادي المقدس وصف بقدس موسى عليه السلام وبقدس الملائكة الذين حلوا فيه. وكذلك قوله عليه السلام:"أحب البلاد إلى الله مساجدها وأبغض البلاد إلى الله تعالى أسواقها"، أراد بمحبة المساجد محبة ما يقع فيها من ذكره وتلاوة كتابه والاعتكاف والصلوات، وأراد ببغض الأسواق ما يقع فيها من الغش والخيانة وسوء المعاملة، مع كون أهلها لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر ولا يغضون الأبصار عن المحرمات وكذلك قولهم بلد خائف وآمن وصف بصفة من حل فيه من الخائفين والآمنين، فكذلك وصفه بكونه محبوبا هو وصف بما حصل فيه مما يحبه الله ورسوله، وهو إقامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإرشاده أهله إلى ما بعث به، فكانت حينئذ واجبة عليه، ومعلوم أن ما كان أحب إلى الله كان أحب إلى رسوله، وكذلك لما هاجر إلى المدينة كانت إقامته بها وإرشاده أهلها أحب إلى الله وإليه صلى الله عليه وسلم من إقامته بغيرها، ومعلوم أن الطاعة التي هي أحب إلى الله من غيرها أحب إلى رسوله من جميع الطاعات، ولا يلزم من قوله أحب البقاع إليك ألا تكون أحب إلى رسوله. كما لا يلزم من قوله أحب البقاع إلى أن تكون أحب